Kashif Amin
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
هذا وجميع ما رأيت أيها الطالب الرشاد في كلام هذا النحرير الذي لا يجد له القوم سابقا ولا يجوزون أن يوجد مثله لاحقا بعد أن كشفنا لك القناع عن تهافته وتناقضه واضطرابه ومخالفته القضايا الضرورية والقواعد العربية النحوية والبيانية والأوضاع اللغوية، والفروقات التحكمية والأصول الكلامية والإلزامات الجدلية والمقالات الكفرية، إذا التفت ثانيا إلى تعليله وإلى ما هو الحامل له على القول به وجدت العلة التي علل ما ارتكبه من هذه الجهالات عليلة، والمقالات التي فرعها عليه أجنبية عن البحث الذي هو بصدده دخيلة لأنه صدر الجواب على المعتزلة في تمسكهم بالدليل السمعي من فاتحة الكتاب إلى خاتمته لأن ذلك هو من قوله: {إياك نعبد { لا من قوله: {الذين يؤمنون بالغيب ...إلى الذي يوسوس في صدور الناس {، فاستدلال المعتزلة بأن تلك الإسنادات دليل على أن أفعال العباد منهم لا من الله تعالى، فأجاب عليهم بأنه لما ثبت بالأدلة السالفة أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره وجب حمل تلك الألفاظ إلى آخره، وهذا من باب الاحتجاج على المعين الواضح بالمبهم الخافي لأن خلق الأفعال أو عدم خلقها من الألفاظ الواضحات الجليلة، والقضاء والقدر من الألفاظ التي تعبت الأفكار في إدراك معناها وحسرت رواحل الأسفار عن مدراك مبناها ولم يحظ بمعرفة ما يراد من هذين اللفظين مع اختلاف مواردهما تارة بالنسبة إلى الله تعالى، وتارة إلى العبد المؤمن وأخرى إلى المجرم وحينا إثباتا وآونة نفيا، وفي بعض المقامات يصلح هذا المعنى دون غيره، وفي بعضها يستويان، وفي بعضها يختلف الحال بين العالم والجاهل فصار لفظ القضاء والقدر بالنسبة إلى خلق أفعال العباد كالجنس الأعم الأبعد العالي بالنسبة إلى الفصل الأخص الأقرب السافل، وحينئذ لا يصح الاحتجاج بذلك ولا يحصل الانتجاج للمطلوب بما هنالك، لأنه يصير بمثابة قولك مشيرا إلى جسم بعيد عنك بحيث لا ترى إلا شبحه ولا تعلم شيئا من صفاته المميزة له عن سائر الأشباح فتقول: هذا رجل. لأنه قد علم وثبت أنه جسم، فيقول المعترض: هب أنه جسم فمن أين لك أنه حيوان ومن أين لك أنه إنسان ثم ومن أين أنه ذكر؟ فكذلك ما سأله هذا النحرير في استدلاله على أن أفعال العباد من الله تعالى، وإخراج الآيات الصريحات من فاتحة الكتاب إلى خاتمته بأنه قد ثبت أن ذلك بقضاء الله وقدره لا يصح به الاحتجاج ولا يحصل معه الإنتاج على القواعد المقررة لدى المناطقة، لأنا نقول له هب أنها بقضاء الله وقدره؟ فإنا لا ننكر ذلك ونؤكده بأن نقول: ومن أنكر ذلك فقد كفر ولكنا لا نسلم لك أن الله تعالى خلقها وأرادها من العبد لأنه لا يلزم من وجود الأعم وهو القضاء والقدر وجود الأخص وهو الخلق والإرادة، ومثيله لا يلزم من وجود الجسم وجود الإنسان وإنما يلزم من وجود الأخص وهو الخلق والإرادة وجود الأعم وهو القضاء والقدر ومثيله، وإنما يلزم من وجود الإنسان وجود الجسم فلا يصح إنكار وجود الجسم مهما قد وجد الإنسان، فهم الآن في منزلة أن ينازعونا في وجود الإنسان بمجرد وجود الجسم.
فإن قلت: مآل هذا الجواب التسليم بأن أفعال العباد بقضاء الله وقدره دون أن يكون بخلقه وإرادته، فما معنى القضاء والقدر اللذين وقع هذا التسليم بناء عليه؟
قلت: سيأتي لذلك فصل مستقل في كلام المؤلف عليه السلام في المختصر.
Sayfa 440