Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
، ثم تلا هذه الآية: { ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حيلة في المال، والسبيل: الطريق. قال ابن عباس: كنت أنا منهم من الولدان. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عكرمة يقول: كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم، فقتلوا، فنزلت: { إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم }... إلى قوله: { أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة. قال: فخرج ناس من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعطى الفتنة، فأنزل الله فيهم:
ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله
[العنكبوت: 10]. فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين بمكة، وأنزل الله في أولئك الذين أعطوا الفتنة:
ثم إن ربك للذين هجروا من بعد ما فتنوا ثم جهدوا
[النحل: 110]... إلى
غفور رحيم
[النحل: 115]. قال ابن عيينة: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله { إن الذين توفهم الملئكة } قال: هم خمسة فتية من قريش: علي بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزمعة بن الأسود، وأبو العاص بن منبه، ونسيت الخامس. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم }... الآية، حدثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. وقوله { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } أناس من أهل مكة عذرهم الله، فاستثناهم فقال: { أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } قال: وكان ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم }... الآية، قال: أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألته، يعني ابن زيد، عن قول الله: { إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم } فقرأ حتى بلغ: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن } فقال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهر ونبع الإيمان نبع النفاق منه، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبوننا ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله! فكانوا يقولون ذلك له. فلما كان يوم بدر قام المشركون، فقالوا: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستبحنا ماله! فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي صلى الله عليه وسلم معهم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة. قال: فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله فيهم: { إن الذين توفهم الملئكة ظلمى أنفسهم }... الآية كلها { ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا فيها } وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم { أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا }. قال: ثم عذر الله أهل الصدق فقال: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } يتوجهون له لو خرجوا لهلكوا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم إقامتهم بين ظهري المشركين. وقال الذين أسروا: يا رسول الله إنك تعلم أنا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفا! فقال الله:
يأيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم
[الأنفال: 70] صنيعكم الذي صنعتم بخروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل
Bilinmeyen sayfa