832

Taberi Tefsiri

جامع البيان في تفسير القرآن

[النساء: 21]. وقال آخرون: المعني بالنهي عن عضل النساء في هذه الآية: أولياؤهن. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } كالعضل في سورة البقرة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: بل المنهي عن ذلك زوج المرأة بعد فراقه إياها، وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنهوا عنه في الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه، فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قول الله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن }... الآية. قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى العضل وما أصله بشواهد ذلك من الأدلة. وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره، ولفراقها محب، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه، وهو لها كاره، مضارة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك، أو لوليها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما، وكان الولي معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا، فيقال: إن عضلها عن النكاح عضلها ليذهب ببعض ما آتاها، كان معلوما أن الذي عنى الله تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدي منه. وإذا صح ذلك، وكان معلوما أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحد السبيل على زوجته بعد فراقه إياها وبينونتها منه، فيكون له إلى عضلها سبيل لتفتدي منه من عضله إياها، أتت بفاحشة أم لم تأت بها، وكان الله جل ثناؤه قد أباح للأزواج عضلهن إذا أتين بفاحشة مبينة، حتى يفتدين منه، كان بينا بذلك خطأ التأويل الذي تأوله ابن زيد، وتأويل من قال: عنى بالنهي عن العضل في هذه الآية: أولياء الأيامى، وصحة ما قلنا فيه.

{ ولا تعضلوهن } في موضع نصب عطفا على قوله: { أن ترثوا النساء كرها } ومعناه: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن، وكذلك هي فيما ذكر في حرف ابن مسعود، ولو قيل: هو في موضع جزم على وجه النهي لم يكن خطأ. القول في تأويل قوله تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }. يعني بذلك جل ثناؤه: لا يحل لكم أيها المؤمنون أن تعضلوا نساءكم ضرارا منكم لهن، وأنتم لصحبتهن كارهون، وهن لكم طائعات، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتهن، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فيحل لكن حينئذ الضرار بهن ليفتدين منكم. ثم اختلف أهل التأويل في معنى الفاحشة التي ذكرها الله جل ثناؤه في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناها: الزنا، وقال إذا زنت امرأة الرجل حل له عضلها والضرار بها لتفتدي منه بما آتاها من صداقها. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الحسن في البكر تفجر، قال: تضرب مائة، وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه. وتأول هذه الآية: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني في الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة: أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود. حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة، فلا بأس أن يضارها، ويشق عليها حتى تختلع منه. حدثنا ابن حميد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرني معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة في الرجل يطلع من امرأته على فاحشة، فذكر نحوه. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وهو الزنا، فإذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم أنه سمع الحسن البصري: { إلا أن يأتين بفاحشة } قال: الزنا. قال: وسمعت الحسن وأبا الشعثاء يقولان: فإن فعلت حل لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع لتفتدي. وقال آخرون: الفاحشة المبينة في هذا الموضع: النشوز.ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وهو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن علي بن بذيمة، عن مقسم في قوله: «ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن» في قراءة ابن مسعود.

قال: إذا عضلت وآذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مطرف بن طريف، عن خالد، عن الضحاك بن مزاحم: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال: الفاحشة ههنا النشوز، فإذا نشزت حل له أن يأخذ خلعها منها. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال: هو النشوز. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } فإن فعلن إن شئتم أمسكتموهن، وإن شئتم أرسلتموهن. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال: عدل ربنا تبارك وتعالى في القضاء فرجع إلى النساء، فقال: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } والفاحشة: العصيان والنشوز فإذا كان ذلك من قبلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بالهجر، فإن لم تدع العصيان والنشوز فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية. قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل قوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } أنه معني به كل فاحشة من بذاءة باللسان على زوجها، وأذى له وزنا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } كل فاحشة مبينة ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنا أو نشوز، فله عضلها على ما بين الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تفتدي منه بأي معاني فواحش أتت بعد أن تكون ظاهرة مبينة بظاهر كتاب الله تبارك وتعالى، وصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كالذي: حدثني يونس بن سليمان البصري، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

" اتقوا الله في النساء، فانكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف "

حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا موسى بن عبيدة الربذي قال: ثنا صدقة بن يسار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

" أيها الناس إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف "

فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن من حق الزوج على المرأة أن لا توطىء فراشه أحدا، وأن لا تعصيه في معروف وأن الذي يجب لها من الرزق والكسوة عليه، إنما هو واجب عليه، إذا أدت هي إليه ما يجب عليها من الحق بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف. ومعلوم أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

" من حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا "

إنما هو أن لا يمكن أنفسهن من أحد سواكم. وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له منعها من الكسوة والرزق بالمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف. وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بمنعه إياها ماله منعها حقا لها واجبا عليه. وإذا كان ذلك كذلك فبين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لم يأخذ ذلك عن عضل منهي عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباح. وإذ كان ذلك كذلك كان بينا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }. وإذ صح ذلك، فبين فساد قول من قال: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } منسوخ بالحدود، لأن الحد حق الله تعالى على من أتى بالفاحشة التي هي زنا. وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه فحق لزوجها كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه حق له، وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر. فمعنى الآية: ولا يحل لكم أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم، فتضيقوا عليهن، وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتكم، { إلا أن يأتين بفاحشة } من زنا أو بذاء عليكم، وخلاف لكم فيما يجب عليهن لكم مبينة ظاهره، فيحل لكم حينئذ عضلهن، والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق، إن هن افتدين منكم به. واختلفت القراء في قراءة قوله: «مبينة» فقرأه بعضهم: «مبينة» بفتح الياء، بمعنى أنها قد بينت لكم وأعلنت وأظهرت. وقرأه بعضهم: «مبينة» بكسر الياء، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة. وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب في قراءته الصواب، لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي ظاهرة بينة، وإذا ظهرت فبإظهار صاحبها إياها ظهرت، فلا تكون ظاهرة بينة إلا وهي مبينة ولا مبينة إلا وهي مبينة، فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارىء صوابا.

القول في تأويل قوله تعالى: { وعاشروهن بالمعروف }. يعني جل ثناؤه بقوله: { وعاشروهن بالمعروف }: وخالقوا أيها الرجال نساءكم، وصاحبوهن بالمعروف، يعني بما أمرتم به من المصاحبة، وذلك إمساكهن بأداء حقوقهن التي فرض الله جل ثناؤه لهن عليكم إليهن، أو تسريح منكم لهن بإحسان. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وعاشروهن بالمعروف } يقول: وخالطوهن. كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو خالقوهن من العشرة وهي المصاحبة. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا }. يعني بذلك تعالى ذكره: لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من غير ريبة، ولا نشوز، كان منهن، ولكن عاشروهن بالمعروف وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن، فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كره منكم لهن خيرا كثيرا من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } يقال: فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرا كثيرا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، مثله. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: { ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } قال: الولد. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: { ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. والهاء في قوله: { ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } على قول مجاهد الذي ذكرناه كناية عن مصدر تكرهوا، كأن معنى الكلام عنده: فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرا كثيرا، كان جائزا صحيحا.

Bilinmeyen sayfa