Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله: { والله بصير بما يعملون } فإنه يعني: والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصي على الفريقين جميعا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { والله بصير بما يعملون } يقول: إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته.
[3.164]
يعني بذلك: لقد تطول الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول { يتلو عليهم ءايته } يقول: يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله. { ويزكيهم } يعني: يطهرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه، وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم { ويعلمهم الكتب والحكمة } يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه، والحكمة ويعني بالحكمة: السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه لهم { وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين } يعني: إن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي ضلال مبين، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقا، ولا يبطلون باطلا. وقد بينا أصل الضلالة فيما مضى، وأنه الأخذ على غير هدى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع والمبين: الذي يبين لمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه أنه على غير استقامة ولا هدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } من الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم قوله: { ويعلمهم الكتب والحكمة } الحكمة: السنة. { وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين }: ليس الله كما تقول أهل حروراء: محنة غالبة من أخطأها أهريق دمه، ولكن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قوم لا يعلمون فعلمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: { لقد من الله على المؤمنين } إلى قوله { لفى ضلل مبين }: أي لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم، يتلو عليكم آياته، ويزكيكم فيما أخذتم، وفيما علمتم، ويعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتموه، لتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، فتتخلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته. { وإن كنتم من قبله لفى ضلل مبين } أي في عمياء من الجاهلية لا تعرفون حسنة، ولا تستغيثون من سيئة، صم عن الحق، عمي عن الهدى.
[3.165]
يعني تعالى ذكره بذلك: أو حين أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرجوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرا. { قد أصبتم مثليها } يقول: قد أصبتم أنتم أيها المؤمنون من المشركين مثلي هذه المصيبة التي أصابوا هم منكم، وهي المصيبة التي أصابها المسلمون من المشركين ببدر، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين. { قلتم أنى هذا } يعني: قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد: { أنى هذا } من أي وجه هذا، ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون، وهم مشركون، وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم، يأتيه الوحي من السماء، وعدونا أهل كفر بالله وشرك؟ قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: { هو من عند أنفسكم } يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم. { إن الله على كل شىء قدير } يقول: إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة وتفضل وانتقام قدير، يعني: ذو قدرة. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { قل هو من عند أنفسكم } بعد إجماع جميعهم على أن تأويل سائر الآية على ما قلنا في ذلك من التأويل، فقال بعضهم: تأويل ذلك: قل هو من عند أنفسكم، بخلافكم على نبي الله صلى الله عليه وسلم، إذ أشار عليكم بترك الخروج إلى عدوكم والإصحار لهم، حتى يدخلوا عليكم مدينتكم، ويصيروا بين آطامكم، فأبيتم ذلك عليه، وقلتم: أخرج بنا إليهم حتى نصحر لهم فنقاتلهم خارج المدينة. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } أصيبوا يوم أحد، قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر، قتلوا من المشركين سبعين، وأسروا سبعين. { قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
" إنا في جنة حصينة "
يعني بذلك: المدينة
" فدعوا القوم أن يدخلوا علينا نقاتلهم "
فقال ناس له من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة ، وقد كنا نمتنع في الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع فيه، فابرز بنا إلى القوم! فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته، فتلاوم القوم، فقالوا عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر، وعرضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل لنبي الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا لأمرك تبع! فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا، وقالوا: أمرنا لأمرك تبع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
Bilinmeyen sayfa