Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
" من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } "
.. الآية. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال له قائل، أو رجل: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال:
" من وجد زادا وراحلة "
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: ثنا شاذ بن فياض البصري، قال: ثنا هلال بن هشام، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحرث، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من ملك زادا وراحلة فلم يحج مات يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } "
.. الآية. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة وحميد، عن الحسن، أن رجلا قال: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال:
" الزاد والراحلة "
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. وقال آخرون: السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقة للوصول إليه. قال: وذلك قد يكون بالمشي وبالركوب، وقد يكون مع وجودهما العجز عن الوصول إليه، بامتناع الطريق من العدو الحائل، وبقلة الماء وما أشبه ذلك.
قالوا: فلا بيان في ذلك أبين مما بينه الله عز وجل بأن يكون مستطيعا إليه السبيل، وذلك الوصول إليه بغير مانع ولا حائل بينه وبينه، وذلك قد يكون بالمشي وحده، وإن أعوزه المركب، وقد يكون بالمركب وغير ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن خالد بن أبي كريمة، عن رجل، عن ابن الزبير، قوله: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } قال: على قدر القوة. حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { من استطع إليه سبيلا } قال: الزاد والراحلة، فإن كان شابا صحيحا ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي حجته. فقال له قائل: كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه؟ والله لأنطلق إليه ولو حبوا! كذلك يجب عليه الحج. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: من وجد شيئا يبلغه فقد وجد سبيلا، كما قال الله عز وجل: { من استطع إليه سبيلا }. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو هانىء، قال: سئل عامر عن هذه الآية: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } قال: السبيل: ما يسره الله. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن: من وجد شيئا يبلغه فقد استطاع إليه سبيلا. وقال آخرون: السبيل إلى ذلك: الصحة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمثنى بن إبراهيم، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، قال: ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة، قالا: أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول في هذه الآية: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } قال: السبيل: الصحة. وقال آخرون بما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل: { ولله على الناس حج البيت من استطع إليه سبيلا } قال: من وجد قوة في النفقة والجسد والحملان، قال: وإن كان في جسده ما لا يستطيع الحج فليس عليه الحج، وإن كان له قوة في مال، كما إذا كان صحيح الجسد ولا يجد مالا ولا قوة، يقولون: لا يكلف أن يمشي. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء، إن ذلك على قدر الطاقة، لأن السبيل في كلام العرب: الطريق، فمن كان واجدا طريقا إلى الحج لا مانع له منه من زمانة، أو عجز، أو عدو، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، وضعف عن المشي، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه فإن لم يكن واجدا سبيلا، أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه، فهو ممن لا يجد إليه طريقا، ولا يستطيعه، لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه، ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل.
وإنما قلنا هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها، لأن الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية. فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين. واختلف القراء في قراءة الحج، فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل المدينة والعراق بالكسر: { ولله على الناس حج البيت } ، وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بالفتح: «ولله على الناس حج البيت» وهما لغتان معروفتان للعرب، فالكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية، ولم نر أحدا من أهل العربية ادعى فرقا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين، إلا ما: حدثنا به أبو هشام الرفاعي، قال: قال حسين الجعفي: الحج مفتوح: اسم، والحج مكسور: عمل. وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد. والذي نقول به في قراءة ذلك، أن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الإسلام، ولا اختلاف بينهما في معنى ولا غيره، فهما قراءتان قد جاءتا مجيء الحجة، فبأي القراءتين أعني بكسر الحاء من الحج أو فتحها قرأ القارىء فمصيب الصواب في قراءته. وأما «من» التي مع قوله: { من استطع } فإنه في موضع خفض على الإبدال من الناس، لأن معنى الكلام: ولله على من استطاع من الناس سبيلا إلى حج البيت حجه فلما تقدم ذكر الناس قبل «من» بين بقوله: { من استطع إليه سبيلا } ، الذي عليه فرض ذلك منهم، لأن فرض ذلك على بعض الناس دون جميعهم. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين }. يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غني عنه، وعن حجه وعمله، وعن سائر خلقه من الجن والإنس. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن أبي المجالد، قال: سمعت مقسما، عن ابن عباس في قوله: { ومن كفر } قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه.
Bilinmeyen sayfa