686

Taberi Tefsiri

جامع البيان في تفسير القرآن

يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لأهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل : { تعالوا } هلموا { إلى كلمة سواء } يعني إلى كلمة عدل { بيننا وبينكم } والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا } يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. { فإن تولوا } يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون. واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى كلمة السواء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم، قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل: { قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }... الآية. وقال آخرون: بل نزلت في الوفد من نصارى نجران. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }... الآية، إلى قوله: { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } قال: فدعاهم إلى النصف، وقطع عنهم الحجة يعني وفد نجران. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الوفد من نصارى نجران فقال: { يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }... الآية. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قال: يعني جل ثناؤه: { إن هذا لهو القصص الحق } في عيسى على ما قد بيناه فيما مضى قال: { فأبوا } ، يعني الوفد من نجران، فقال: ادعهم إلى أيسر من هذا، { قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }.

فقرأ حتى بلغ: { أربابا من دون الله } فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر. وإنما قلنا: عنى بقوله: { يا أهل الكتب }: أهل الكتابين، لأنهما جميعا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: { يا أهل الكتب } بعضا دون بعض، فليس بأن يكون موجها ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه، بأن يكون موجها إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوارة. وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر، لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح، فالواجب أن يكون كل كتابي معنيا به، لأن إفراد العبادة لله وحده، وإخلاص التوحيد له، واجب على كل مأمور منهي من خلق الله، وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلوما بذلك أنه عني به الفريقان جميعا. وأما تأويل قوله: { تعالوا } فإنه: أقبلوا وهلموا، وإنما هو تفاعلوا من العلو، فكأن القائل لصاحبه: تعالى إلي، فإنه تفاعل من العلو، كما يقال: تدان مني من الدنو، وتقارب مني من القرب. وقوله: { إلى كلمة سواء } فإنها الكلمة العدل، و«السواء»: من نعت «الكلمة». وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع سواء في الإعراب لكلمة، وهو اسم لا صفة، فقال بعض نحويي البصرة: جر سواء لأنها من صفة الكلمة: وهي العدل، وأراد مستوية. قال: ولو أراد استواء كان النصب، وإن شاء أن يجعلها على الاستواء ويجر جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل الخلق، لأن الخلق هو المخلوق، والخلق قد يكون صفة واسما، ويجعل الاستواء مثل المستوى، قال عز وجل:

الذي جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد

[الحج: 25] لأن السواء للآخر وهو اسم ليس بصفة، فيجري على الأول وذلك إذا أراد به الاستواء، فإن أراد به مستويا جاز أن يجري على الأول، والرفع في ذا المعنى جيد، لأنها لا تغير عن حالها، ولا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء التي هي مثل عدل ورضا وجنب، وما أشبه ذلك. وقال:

أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم

[الجاثية: 21] فالسواء للمحيا والممات بهذا المبتدإ. وإن شئت أجريته على الأول وجعلته صفة مقدمة، كأنها من سبب الأول فجرت عليه، وذلك إذا جعلته في معنى مستوي، والرفع وجه الكلام كما فسرت لك. وقال بعض نحويي الكوفة: «سواء» مصدر وضع موضع الفعل، يعني موضع متساوية ومتساو، فمرة يأتي عن الفعل، ومرة على المصدر، وقد يقال في سواء بمعنى عدل: سوى وسوى، كما قال جل ثناؤه:

مكانا سوى

[طه: 58] و«سوى» يراد به عدل ونصف بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم».

وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: { إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } بأن السواء: هو العدل، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }: عدل بيننا وبينكم { ألا نعبد إلا الله }... الآية. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: { قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } بمثله. وقال آخرون: هو قول لا إله إلا الله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال أبو العالية: كلمة السواء: لا إله إلا الله. وأما قوله: { ألا نعبد إلا الله } فإن «أن» في موضع خفض على معنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله، وقد بينا معنى العبادة في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته. وأما قوله: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا } فإن اتخاذ بعضهم بعضا، هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه:

اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا

Bilinmeyen sayfa