Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني المثنى وأحمد بن الحسن الترمذي، قالا: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا فياض الرقي، قال: ثنا عبد الله بن يزيد الأودي قال: وكان أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة وأبو الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال:
" من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به قلبه، وعف بطنه وفرجه فذلك الراسخ في العلم "
وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم الراسخين في العلم بقولهم: { آمنا به كل من عند ربنا }. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: { الراسخون فى العلم يقولون آمنا به } قال: الراسخون الذين يقولون آمنا به كل من عند ربنا. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { والراسخون في العلم } هم المؤمنون، فإنهم { يقولون آمنا به } بناسخه ومنسوخه { كل من عند ربنا }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: قال عبد الله بن سلام: { الراسخون فى العلم } وعلمهم قولهم. قال ابن جريج: { الراسخون فى العلم يقولون آمنا به } وهم الذين يقولون: { ربنا لا تزغ قلوبنا } ويقولون: { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه }... الآية. وأما تأويل قوله: { يقولون آمنا به } فإنه يعني: أن الراسخين في العلم يقولون صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حق، وإن لم نعلم تأويله. وقد: حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك: { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } قال: المحكم والمتشابه. القول في تأويل قوله تعالى: { كل من عند ربنا }. يعني بقوله جل ثناؤه: { كل من عند ربنا } كل المحكم من الكتاب والمتشابه منه من عند ربنا، وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: { كل من عند ربنا } قال: يعني ما نسخ منه، وما لم ينسخ. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } قالوا: { كل من عند ربنا } آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { كل من عند ربنا } يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله. حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { والراسخون في العلم } يعملون به، يقولون: نعمل بالمحكم ونؤمن به، ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به، وكل من عند ربنا. واختلف أهل العربية في حكم «كل» إذا أضمر فيها. فقال بعض نحويي البصريين: إذا جاز حذف المراد الذي كان معها الذي «الكل» إليه مضاف في هذا الموضع لأنها اسم، كما قال:
إنا كل فيهآ
[غافر: 48] بمعنى: إنا كلنا فيها، قال: ولا يكون «كل» مضمرا فيها وهي صفة، لا يقال: مررت بالقوم كل، وإنما يكون فيها مضمر إذا جعلتها اسما لو كان إنا كلا فيها على الصفة، لم يجز، لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان. وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفة أو اسم سواء، لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من المضمر، وغير جائز أن تكون كافية منه في حال، ولا تكون كافية في أخرى، وقال: سبيل الكل والبعض في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه، بمعنى واحد في كل حال، صفة كانت أو اسما، وهذا القول الثاني أولى بالقياس، لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حال لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها، فهي كافية منه. القول في تأويل قوله تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }. يعني بذلك جل ثناؤه: وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به إلا أولو العقول والنهى. وقد: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } يقول: وما يذكر في مثل هذا، يعني في رد تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم حتى يتسقا على معنى واحد، إلا أولو الألباب.
[3.8]
يعني بذلك جل ثناؤه: أن الراسخين في العلم يقولون: آمنا بما تشابه من آي كتاب الله، وأنه والمحكم من آيه من تنزيل ربنا ووحيه، ويقولون أيضا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } يعني أنهم يقولون رغبة منهم إلى ربهم، في أن يصرف عنهم ما ابتلى به الذين زاغت قلوبهم من اتباع متشابه آي القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الذي لا يعلمه غير الله، يا ربنا لا تجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك، { لا تزغ قلوبنا } لا تملها فتصرفها عن هداك { بعد إذ هديتنا } له، فوفقتنا للإيمان بمحكم كتابك ومتشابهه، { وهب لنا } يا ربنا { من لدنك رحمة } يعني من عندك رحمة، يعني بذلك: هب لنا من عندك توفيقا وثباتا للذي نحن عليه، من الإقرار بمحكم كتابك ومتشابهه { إنك أنت الوهاب } يعني: إنك أنت المعطي عبادك التوفيق والسداد، للثبات على دينك، وتصديق كتابك ورسلك. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا، { وهب لنا من لدنك رحمة }. وفي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يعطيهم رحمة منه معونة لهم للثبات على ما هم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون، ما أبان عن خطأ قول الجهلة من القدرية، أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته، وإمالته له عنها جور، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } بالذم أولى منهم بالمدح، لأن القول لو كان كما قالوا، لكان القوم إنما سألوا ربهم مسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم، أن لا يظلمهم ولا يجور عليهم، وذلك من السائل جهل لأن الله جل ثناؤه لا يظلم عباده ولا يجور عليهم، وقد أعلم عباده ذلك، ونفاه عن نفسه بقوله: { وما ربك بظلام للعبيد } ولا وجه لمسألته أن يكون بالصفة التي قد أخبرهم أنه بها، وفي فساد ما قالوا من ذلك الدليل الواضح، على أن عدلا من الله عز وجل إزاغة من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته، فلذلك استحق المدح من رغب إليه في أن لا يزيغه لتوجيهه الرغبة إلى أهلها ووضعه مسألته موضعها، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برغبته إلى ربه في ذلك مع محله منه، وكرامته عليه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "
Bilinmeyen sayfa