551

Taberi Tefsiri

جامع البيان في تفسير القرآن

" إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء "

ثم قرأ ابن عمر: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }. حدثني أحمد أبو حميد الحمصي، قال : ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم "

وقد دللنا على قوله العالمين، وذكرنا الرواية فيه. وأما القراء فإنها اختلفت في قراءة قوله: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض }. فقرأته جماعة من القراء: { ولولا دفع الله } على وجه المصدر من قول القائل: دفع الله عن خلقه، فهو يدفع دفعا. واحتجت لاختيارها ذلك بأن الله تعالى ذكره، هو المتفرد بالدفع عن خلقه، ولا أحد يدافعه فيغالبه. وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء: «ولولا دفاع الله الناس» على وجه المصدر من قول القائل: دافع الله عن خلقه، فهو يدافع مدافعة ودفاعا. واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرا من خلقه يعادون أهل دين الله، وولايته والمؤمنين به، فهو بمحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم لله مدافعون بباطلهم، ومغالبون بجهلهم، والله مدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء، فمدافعه عنه دافع، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع، فهو لمدافعه مدافع ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده، محاولين مغالبة حزب الله وجنده، وكان في محاولتهم ذلك محاولة مغالبة الله ودفاعه، عما قد تضمن لهم من النصرة، وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فتبين إذا أن سواء قراءة من قرأ: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } وقراءة من قرأ: { ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض } في التاويل والمعنى.

[2.252]

يعني تعالى ذكره بقوله: { تلك آيات الله } هذه الآيات التي اقتص الله فيها أمر الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وأمر الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيهم أن يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله: { والله ذو فضل على العالمين }. ويعني بقوله: { آيات الله } حججه وأعلامه وأدلته. يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد، وأعلمتك من قدرتي على إماتة من هرب من الموت في ساعة واحدة وهم ألوف، وإحيائي إياهم بعد ذلك، وتمليكي طالوت أمر بني إسرائيل، بعد إذ كان سقاء أو دباغا من غير أهل بيت المملكة، وسلبي ذلك إياه بمعصيته أمري، وصرفي ملكه إلى داود لطاعته إياي، ونصرتي أصحاب طالوت، مع قلة عددهم، وضعف شوكتهم على جالوت وجنوده، مع كثرة عددهم، وشدة بطشهم حجج على من جحد نعمتي، وخالف أمري، وكفر برسولي من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، العالمين بما اقتصصت عليك من الأنباء الخفية، التي يعلمون أنها من عندي لم تتخرصها ولم تتقولها أنت يا محمد، لأنك أمي، ولست ممن قرأ الكتب، فيلتبس عليهم أمرك، ويدعوا أنك قرأت ذلك فعلمته من بعض أسفارهم، ولكنها حججي عليهم أتلوها عليك يا محمد بالحق اليقين كما كان، لا زيادة فيه، ولا تحريف، ولا تغيير شيء منه عما كان. { وإنك } يا محمد { لمن المرسلين } يقول: إنك لمرسل متبع في طاعتي، وإيثار مرضاتي على هواك، فسالك في ذلك من أمرك سبيل من قبلك من رسلي الذين أقاموا على أمري، وآثروا رضاي على هواهم، ولم تغيرهم الأهواء، ومطامع الدنيا كما غير طالوت هواه، وإيثاره ملكه، على ما عندي لأهل ولايتي، ولكنك مؤثر أمري كما آثره المرسلون الذين قبلك.

[2.253]

يعني تعالى ذكره بقوله: { تلك الرسل } الذين قص الله قصصهم في هذه السورة، كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وشمويل وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة. يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم والذي كلمته منهم موسى صلى الله عليه وسلم ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } قال: يقول: منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات. يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدا إلى الناس كافة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:

" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وقيل لي: سل تعطه، فاختبأتها شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا ".

القول في تأويل قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } يعني تعالى ذكره بذلك: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته: من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وما أشبه ذلك، مع الإنجيل الذي أنزلته إليه، فبينت فيه ما فرضت عليه. يعني تعالى ذكره بقوله: { وأيدنه } وقويناه وأعناه { بروح القدس } يعني بروح الله، وهو جبريل. وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في معنى روح القدس والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينت }. يعني تعالى ذكره بذلك: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، يعني من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وبعد عيسى ابن مريم، وقد جاءهم من الآيات بما فيه مزدجر لمن هداه الله ووفقه. ويعني بقوله: { من بعد ما جاءتهم البينت } يعني من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل. وقد قيل: إن الهاء والميم في قوله: { من بعدهم } من ذكر موسى وعيسى: ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينت } يقول: من بعد موسى وعيسى.

Bilinmeyen sayfa