Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 234] وقبل نزول آية الميراث. ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن أو لم يوصوا لهن به. فإن قال قائل: وما الدلالة على ذلك؟ قيل: لما قال الله تعالى ذكره. { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } وكان الموصي لا شك إنما يوصي في حياته بما يؤمر بإنفاذه بعد وفاته، وكان محالا أن يوصي بعد وفاته، كان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكنى الحول بعد وفاته علما بأنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه لها، إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته.
ولو كان معنى الكلام على ما تأوله من قال: فليوص وصية، لكان التنزيل: والذين يحضرهم الوفاة ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم، كما قال:
كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
[البقرة: 180] وبعد، فلو كان ذلك واجبا لهن بوصية من أزواجهن المتوفين، لم يكن ذلك حلا لهن إذا لم يوص أزواجهن لهن قبل وفاتهم، ولكان لورثتهم إخراجهن قبل الحول، وقد قال الله تعالى ذكره: { غير إخراج } ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنه في تأويله قارئه: { وصية لازواجهم } بمعنى: أن الله تعالى كان أمر أزواجهن بالوصية لهن، وإنما تأويل ذلك: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } كتب الله لأزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولا، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء:
غير مضار وصية من الله
[النساء: 12] ثم ترك ذكر كتب الله اكتفاء بدلالة الكلام عليه، ورفعت والوصية بالمعنى الذي قلنا قبل. فإن قال قائل: فهل يجوز نصب الوصية لهن وصية؟ قيل: لا، لأن ذلك إنما كان يكون جائزا لو تقدم الوصية من الكلام ما يصلح أن تكون الوصية خارجة منه، فأما ولم يتقدمه ما يحسن أن تكون منصوبة بخروجها منه، فغير جائز نصبها بذلك المعنى. ذكر بعض من قال: إن سكنى حول كامل كان حلا لأزواج المتوفين بعد موتهم على ما قلنا، أوصى بذلك أزواجهن لهن أو لم يوصوا لهن به، وأن ذلك نسخ بما ذكرنا من الأربعة الأشهر والعشر والميراث: حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا همام بن يحيى، قال: سألت قتادة عن قوله: - { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها ما لم تخرج، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة الثمن إن كان له ولد، والربع إن لم يكن له ولد، وعدتها أربعة أشهر وعشرا، فقال تعالى ذكره:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا
[البقرة: 234] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. في قوله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } الآية. قال: كان هذا من قبل أن تنزل آية الميراث، فكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، كان لها السكنى والنفقة حولا إن شاءت، فنسخ ذلك في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: جعل لها الثمن إن كان له ولد، وإن لم يكن له ولد فلها الربع وجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، فقال:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا
[البقرة: 234]. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } فكان الرجل إذا مات وترك امرأته، اعتدت سنة في بينه، ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله تعالى ذكره بعد:
Bilinmeyen sayfa