Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15] فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما، فغير جائز أن يكون حمل ورضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره، فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر، فهو مزيد في مدة الرضاع، وما زيد في مدة الحمل نقص عن مدة الرضاع، وغير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا، كما حده الله تعالى ذكره؟ قيل له: فقد يجب أن يكون مدة الحمل على هذه المقالة إن بلغت حولين كاملين، ألا يرضع المولود إلا ستة أشهر، وإن بلغت أربع سنين أن يبطل الرضاع فلا ترضع، لأن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا وجاوز غايته. أو يزعم قائل هذه المقالة أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر، فيخرج من قول جميع الحجة، ويكابر الموجود والمشاهد، وكفى بهما حجة على خطأ دعواه إن ادعى ذلك، فإلى أي الأمرين لجأ قائل هذه المقالة وضح لذوي الفهم فساد قوله. فإن قال لنا قائل: فما معنى قوله إن كان الأمر على ما وصفت:
وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15] وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره نظير ما دون حده في الحكم، وقد قلت: إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا؟ قيل: إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } حدا تعبد عباده بأن لا يجاوزه كما جعل قوله: { والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } حدا لرضاع المولود التام الرضاع، وتعبد العباد بحمل والديه عليه عند اختلافهما فيه، وإرادة أحدهما الضرار به. وذلك أن الأمر من الله تعالى من ذكره إنما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه، فأما ما لم يكن لهم إلى فعله، ولا إلى تركه سبيل فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنهن ولا التعبد به فإذا كان ذلك كذلك، وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته، ولا إلى إطالتها فيضعنه متى شئن ويتركن وضعه إذا شئن، كان معلوما أنقوله:
وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15] إنما هوخبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلقه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا، لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا لما وصفنا، وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه:
ووصينا الإنسان بولديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15]. فإن ظن ذوغباء، أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه منحملته أمه ووضعته وفصلته في ثلاثين شهرا، فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة
رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صلحا ترضه
[الأحقاف: 15] على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية. وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله وكفرانه نعم ربه عليه، وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره عند استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جميع عباده، بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض، وذلك مالا ينكره ولا يدفعه أحد لأن من يولد من الناس لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين، كما أن من يولد لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } بالياء في " يتم " ونصب " الرضاعة " بمعنى:لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده، وقرأه بعض أهل الحجاز " لمن أرادأن تتم الرضاعة " بالتاء في " تتم " ، ورفع " الرضاعة " بصفها. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ بالياء في " يتم " ونصب " الرضاعة " ، لأن الله تعالى ذكره قال { والوالدات يرضعن أولادهن } فكذلك هن يتممنها إذا أردن هن والمولود له إتمامها، وأ،ها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة دون القراءة الأخرى. وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر الراء التي فيها، وإن تكن صحيحة فهي نظيرة الوكالة والوكالة والدلالة والدلالة، ومهرت الشيء مهارة، فيجوز حينئذ الرضاع والرضاع، كما قيل الحصاد.وأن القراءة فبالقبح لا غير. القول في تأويل قوله تعالى: { وعلى المولود رزقهن وكسوتهن بالمعروف }. يعني تعالى ذكره بقوله: { وعلى المولود له } وعلى آباء الصبيان للمراضع رزقهن، يعني رزق والدتهن.ويعني بالرزق ما يقوتهن من طعام، ومالا بد لهن من غذاء ومطعم وكسوتهن، ويعني بالكسوة: الملبس. ويعني بقوله: { بالمعروف } بما يجب لمثلها على مثله إذ كان الله تعالى ذكره قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر، وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك، فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته، كما قال تعالى ذكره:
Bilinmeyen sayfa