Taberi Tefsiri
جامع البيان في تفسير القرآن
واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الآية ما هي، وما هما؟ فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون: هما وصيان. وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله: { شهادة بينكم } ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان، قوله: { شهادة بينكم } بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرته. وأولى التأويلين بقوله: { اثنان ذوا عدل منكم } تأويل من تأوله بمعنى: أنهما من أهل الملة دون من تأوله أنهما من حي الموصي. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم } فغير جائز أن يصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم. وأولى المعنيين بقوله: { شهادة بينكم } اليمين، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام لأنا لا نعلم لله تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله: { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضي بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه. فإن قال قائل: فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟ فإن قلت: لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأولت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله:
فإن عثرا على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما
هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك: وفي أي حكم الله تعالى وجدت ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدعي قبل رجل مالا، فيقر به المدعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول رب الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترفة في يده أنه اشتراها من المدعي أو أن المدعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه.
واختلف أهل العربية في الرافع قوله: { شهادة بينكم } ، وقوله: { اثنان ذوا عدل منكم }. فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: { شهادة بينكم } شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام. قال: وذلك في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف، نظير قوله: { واسأل القرية } وإنما يريد: واسأل أهل القرية، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه، ثم عطف قوله: «أو آخران» على «الإثنين». وقال بعض نحويي الكوفة: رفع الإثنين بالشهادة: أي ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم. وقال آخر منهم: رفعت الشهادة ب«إذا حضر». وقال: إنما رفعت بذلك لأنه قال: «إذا حضر»، فجعلها شهادة محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق، لأنه قال تعالى ذكره: { أو آخران من غيركم } ، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما ثبت. وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: الشهادة مرفوعة بقوله: { إذا حضر } لأن قوله: { إذا حضر } بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله: { شهادة بينكم }. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصح وجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها. القول في تأويل قوله تعالى: { أو آخران من غيركم }. يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { أو آخران من غيركم } فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، ويونس بن معاذ، قالا: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: { أو آخران من غيركم } من أهل الكتاب. حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب: { أو آخران من غيركم }: من أهل الكتاب. حدثني أبو حفص الجبيري عبيد الله بن يوسف، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله: { أو آخران من غيركم } قالا: من غير أهل ملتكم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، قال: ثني من سمع سعيد بن جبير، يقول، مثل ذلك. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز، قال: من غير أهل ملتكم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن كان قربه أحد من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا قتيبة، قال: ثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، في قوله: { أو آخران من غيركم } قالا: من غير أهل ملتكم. حدثنا عمرو، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد: { أو آخران من غيركم } قال: من أهل الكتاب. حدثنا عمرو، قال: ثنا محمد بن سوار، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: { اثنان ذوا عدل منكم } من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين. حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن شريح، في هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } قال: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، فشهادتهما جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما، أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الآخرين. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم ، قال: أخبرنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية، ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفر. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، نحوه. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور عن إبراهيم، قال: كتب هشام بن هبيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب: لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرا.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أشهب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول الله تعالى: { أو آخران من غيركم } قال: من غير الملة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة، عن ذلك فقال: من غير أهل الملة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من غير أهل الصلاة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من غير أهل دينكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من غير أهل الملة. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: { أو آخران من غيركم } قال: من غير أهل ملتكم. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: ثنا هشام بن محمد، قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله: { أو آخران من غيركم } قال : من غير أهل ملتكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا عمرو، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: من غير أهل ملتكم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { أو آخران من غيركم } قال: من غير أهل الإسلام. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: قال أبو إسحاق: { أو آخران من غيركم } قال: من اليهود والنصارى. قال: قال شريح: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأحلفهما، وأمضى شهادتهما. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بها بدقوقا. حدثنا عمرو، قال: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن محمد، أنه كان يقول في قوله: { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { أو آخران من غيركم }: من غير أهل الإسلام. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، قال: من غير أهل الإسلام. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عباس، قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية: { شهادة بينكم }... الآية كلها. قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حيكم وعشيرتكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } قال: شاهدان من قومكم ومن غير قومكم. حدثنا عمرو، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: { اثنان ذوا عدل منكم } أي من عشيرته { أو آخران من غيركم } قال: من غير عشيرته. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة: { أو آخران من غيركم } قال: من غير أهل حيكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة: { أو آخران من غيركم } قال: من غير حيكم. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ثابت بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عكرمة في قول الله تعالى: { أو آخران من غيركم } قال: من غير أهل حيه يعني من المسلمين. حدثني الحرث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك، عن الحسن: { أو آخران من غيركم } قال: من غير عشيرتك، ومن غير قومك كلهم من المسلمين. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قوله: { أو آخران من غيركم } قال: مسلمين من غير حيكم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت }... إلى قوله:
والله لا يهدي القوم الفاسقين
قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي أهما من المسلمين أم هما من أهل الكتاب؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من غير أهل المرء الموصي؟ أم هما من غير المسلمين؟ قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناسا من علمائنا أحيانا، فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه يختلف فيها رأيهم.
وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة وهي صلاة المسلمين، فيقسمان بالله: إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثما في شيء من ذلك، فإن عثر قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله: لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم... الآية. وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب تأويل من تأوله: أو آخران من غير أهل الإسلام وذلك أن الله تعالى عرف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين أو اثنين من غير المؤمنين، ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم أو رجلين من غير عشيرتكم ، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم، أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين. فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف مغلق كلام الله تعالى إلا إلى أحسن وجوهه. وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: { ذوا عدل منكم } إنما هو من أهل دينكم وملتكم بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه. وإذا صح ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله: { أو آخران من غيركم } إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدي وثن أو على أي دين كانا، لأن الله تعالى لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دون ملة بعد ألا يكونا من غير أهل الإسلام.
Bilinmeyen sayfa