1128

Taberi Tefsiri

جامع البيان في تفسير القرآن

يقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بآيات كتابه، فإن أولئك أصحاب الجحيم، يقول: هم سكانها واللابثون فيها. والجحيم: ما اشتد من النار، وهو الجاحم والجحيم.

[5.87]

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله { لا تحرموا طيبات ما أحل لكم } يعني بالطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم فتجاوزوا حده الذي حده، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحب من اعتدى حده الذي حده لخلقه فيما أحل لهم وحرم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر أبو زبيد، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }... الآية، قال: عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين حرموا عليهم النساء، وامتنعوا من الطعام الطيب، وأراد بعضهم أن يقطع ذكره، فنزت هذه الآية. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثني خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين }. حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة: أن رجالا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختصوا، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله:

الذي أنتم به مؤمنون

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال: كانوا حرموا الطيب واللحم، فأنزل الله تعالى هذا فيهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا خالد، عن عكرمة: أن أناسا قالوا: لا نتزوج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة، ثم قال:

" إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم "

قال: ونزلت فيهم: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }... الآية. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتخلوا من اللباس ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا "

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }... الآية ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

" ليس في ديني ترك النساء واللحم، ولا اتخاذ الصوامع "

Bilinmeyen sayfa