Cami
جامع أبي الحسن البسيوي جديد
وقد ذهب من ذهب إلى أن الله تعالى حرم النجاسة؛ فما علم كونها فيه أفسدته واستعماله حرام. ألا ترى أن السمن واللبن والخل والعسل وما كان مثله إذا وقعت فيه نجاسة وهو مائع أفسدته، ولم يفترق مع قلته وكثرته؛ لما روي عن النبي ^: أنه سئل عن سمن وقعت فيه فأرة وماتت فيه فقال: «إن كان مائعا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها»، فأفسد المائع ما كان من ذلك.
فأما ما روي عن النبي ^: «الماء الطاهر لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» فإن معنى ذلك أن المتبقى منه كالطاهر.
وقد روي عنه ^ أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يشرع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده منه»، فاحتاط من كل نجاسة وقعت أن لو أصابت يده وإن كانت غير مرئية، ولولا أنها تفسد ما وقعت فيه لم يكن لهذا الاحتياط وجه.
والماء في كل الأواني والأوعية ما وقع فيه من نجاسة نجسة، فلا تشبه الأواني بالآبار والعيون والماء الجاري؛ لأن الجاري يدفع النجاسة.
ولا يشبه الجاري بالراكد؛ لأن الراكد لا يدفع النجاسة من موضعها حتى يعلم مكانها، فلما لم ير لها أثر ولم يعلم موضع النجاسة جاز الوضوء بالماء حتى ترى النجاسة فيه أو يغلب ذلك له، ولا يشبه الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، والماء الجاري في جوف جيفة لامتزاج النجاسة بكل جزء من الجاري منه، وما هو أكثر جيفة منه.
وإن ماتت النجاسة في بئر نزع ماؤها كله. ألا ترى أن ابن عباس أمر بنزح زمزم من زنجي مات فيها.
وقد اختلف في مقدار الماء الذي إذا حلته النجاسة كم هو؟ اختلافا كثيرا، وتأولوا الأخبار، والاحتياط أولى بالأخذ من ذلك.
Sayfa 350