Yeterli İyi Arkadaş ve Yararlı Danışman

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

Soruşturmacı

عبد الكريم سامي الجندي

Yayıncı

دار الكتب العلمية

Baskı

الأولى ١٤٢٦ هـ

Yayın Yılı

٢٠٠٥ م

Yayın Yeri

بيروت - لبنان

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
مُقَدّمَة
وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
الْحَمد لله الَّذِي دلّ على مَعْرفَته بإتقان صَنعته، وبديع لطائف حكمته، وَبِمَا أودعهُ نفوس المميزين من أَعْلَام ربوبيته، وَاسْتحق على كل مُكَلّف الخنوع لعظمته، والخشوع لعزته، وَالشُّكْر والإشادة بِمَا أَسْبغ من نعْمَته، وَنشر من رَحمته، وَجعل قُلُوب أوليائه تسرح فِي ميادين محَاسِن مَا ابتدعه، وعقولهم ترتاح لما من عَلَيْهِم من استنباط الْمعرفَة بِمَا اخترعه، فأغناهم بالتنعم بِمَا بسط لَهُم من الْمُبَاحَات، عَمَّا زجرهم عَنهُ من الْمَحْظُورَات، فَصَارَ مَا تُدْرِكهُ الْعُقُول من لطيف مَا أنشأه، وشريف الْغَرَض فِيمَا ابتدأه، وغريب أَفعاله فِي تَدْبِير عباده، وتصريفهم، وَتَقْدِير منافعهم ومصالحهم، أقواتًا لَهَا تربى على أقوات أجسادها الَّتِي هِيَ أوعية تشْتَمل عَلَيْهَا، وَأشْهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وليّ النعم كلهَا دون من سواهُ، وَأَنه لَا فلاح إِلَّا لمن هداه، وَلَا صَلَاح إِلَّا لمن عصمه من إتباع هَوَاهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي ارْتَضَاهُ، وَنبيه الَّذِي اخْتَارَهُ واجتباه، وَرَسُوله الَّذِي ائتمنه واصطفاه، وَرَفعه وَأَعلاهُ، وَخَصه بِخَتْم النُّبُوَّة وحباه، وأبانه بِأَعْلَى منَازِل الْفضل على كل آدَمِيّ عداهُ، ونسأله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ وعَلى آله وَيسلم أزكى تسلم وَصَلَاة، ويكرمه أتم تكريم وأنباه، ويجعلنا من الآوين إِلَى ظله وذراه، والداعين إِلَى نوره وهداه، ويعصمنا من الْخُرُوج عَن طَاعَته، والولوج فِي مَعْصِيَته، ويوفقنا لإيثار عِبَادَته، ومجانبة عصيانه ومخالفته، وَهُوَ لي الإنعام بذلك، والتيسير لَهُ، والمعونة عَلَيْهِ من رَحمته.
أما بعد، فإنني مُنْذُ مُدَّة مَضَت، وسنةَ خلت، فَكرت فِي أَشْيَاء من عجائب خلق الله وَحكمه، وأياديه ونعمه، ومثلاته ونقمه، وَقد اكتنفتني هموم وأحزان، ولوعات وأشجان، وفنون شَتَّى من حوادث الزَّمَان، وَمَا قد فَشَا فِي النَّاس من التظالم التحاسد، والتقاطع والتباعد، وَأَن مَا هُوَ أولى بهم من الْأنس للمجانسة، قد فارقوه إِلَى الاستيحاش للمنافسة، وحصلت على الِاسْتِئْنَاس بالوحدة وَالْخلْوَة، ثمَّ تطلعت إِلَى جليس طَمَعا فِي أنس وسلوة، فأعوزني ذُو لب عَاقل، وَاتفقَ لي كل غبي جَاهِل، فلاح لي أَن أنشئ كتابا أضمنه أنواعًا من الْجد الَّذِي يُسْتَفَاد ويعتمد عَلَيْهِ، وَمن الْهزْل فِي أَثْنَائِهِ مَا يسر استماعه ويستراح إِلَيْهِ، فَإِن اخْتِلَاف الْأَنْوَاع يسهل النّظر فِيهَا، وينشط الْوُقُوف عَلَيْهَا، ويوفر الِاسْتِمْتَاع بهَا، وَأَن أضمنه علومًا غزيرة وآدابًا كَثِيرَة، وأجعله مجَالِس موزعة على الْأَيَّام والليالي، وَلم اشْترط فِيهَا مبلغا من الْعدَد محصورًا وَلَا قدرا من الْمجَالِس مَحْظُورًا، ثمَّ إِن طوارق الزَّمَان وموانعه، وأحداثه وفجائعه، وعوائقه وقواطعه، وأهواله وفظائعه، حَالَتْ بَين وَبَين مَا آثَرته، وَنَفْسِي على هَذِه مُتَعَلقَة بِهِ، ومؤثرة لَهُ ومنازعة إِلَيْهِ، إِلَى حَيْثُ انتهينا، ثمَّ إِنَّنِي حملت نَفسِي فِي

1 / 5

هَذَا الْوَقْت على الشُّرُوع فِيهِ، الِاشْتِغَال بِهِ، وَسَهل الْأَمر عَليّ فِيهِ أَن بعض أَصْحَابنَا يَكْتُبهُ عني إملاء فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت.
وَقد صنف فِي نَحْو هَذَا الْكتاب جمَاعَة من أهل الْعلم وَالْأَدب كتبا على أنحاء مُخْتَلفَة، فَمنهمْ من جعل جملَة كِتَابه جَامِعَة لكتب مكتتبة، وَمِنْهُم من جعله أبوابًا مبوبة، وأفرد أبوابه بفصول مُمَيزَة، وَمَعَان خَاصَّة غير ممتزجة، وسمى بعض هَؤُلَاءِ مَا أَلفه الْجَوَاهِر وَبَعْضهمْ زَاد الْمُسَافِر وَبَعْضهمْ الزهرة وَبَعْضهمْ أنس الْوحدَة، فِي أشباه لهَذِهِ السمات عدَّة، وَعمل أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد النَّحْوِيّ كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْكَامِل، وَضَمنَهُ أَخْبَارًا وقصصًا لَا إِسْنَاد لكثير مِنْهَا، وأودعه من اشتقاق اللُّغَة وَشَرحهَا وَبَيَان أسرارها وفقهها مَا يَأْتِي مثله بِهِ لسعة علمه وَقُوَّة فهمه، ولطيف فكرته، وصفاء قريحته، وَمن جلي النَّحْو وَالْإِعْرَاب وغامضها مَا يقل وجود من يسد فِيهِ مسده، إِلَّا أَن كِتَابه هَذَا مقصر عَمَّا وسمه بِهِ، وَاخْتَارَهُ من تَرْجَمته، وَغير لَائِق بِهِ مَا آثره من تَسْمِيَته، فحطه بِهَذَا عَن منزلَة - لَوْلَا مَا صنعه - كَانَت حَاصِلَة لَهُ، فسبحان الله مَا أبين انْتِفَاء هَذَا الْكتاب عَن نسبه، وَأَشد منافاته للقبه! وَأَنْشَأَ الصولي كتابا سَمَّاهَا الْأَنْوَاع مبوبًا أبوابًا شَتَّى غير مستوفاة، وأتى فِيهِ بأَشْيَاء مستحسنة على مَا ضم إِلَيْهِ من أُمُور مستهجنة، وصنف أَيْضا كتابا كَأبي قماش سَمَّاهُ النَّوَادِر، وهجاه بعض الشُّعَرَاء بِمَا كرهت حكايته، وَإِن كَانَ حِين وقف عَلَيْهِ فِيمَا بَلغنِي اسْتغْرب ضحكًا، غير أَن الْجَمِيل أجمل، والتسلم من أَعْرَاض النَّاس أمثل، وصنف قوما كتبا فِي هَذَا الْبَاب تشْتَمل على فقر من الْآدَاب والفوائد منثورة غير مبوبة، ومخلوطة غير مُقَيّدَة، بفصول متميزة وَلَا أَبْوَاب متحيزة.
وَقد سميت كتابي الجليس الصَّالح الْكَافِي، والأنيس الناصح الشافي وأودعته كثيرا من فنون الْعُلُوم والآداب، على غير حصر بفصول وأبواب، وضمنته كثيرا من محَاسِن الْكَلَام وجواهره، وملحه ونوادره، وَذكرت فِيهِ أصولًا من الْعلم أتبعتها شرح مَا يتشعب مِنْهَا، ويتصل بهَا بِحَسب مَا يحضر فِي الْحَال، مِمَّا يُؤمن مَعَه الملال، وَمن وقف على مَا أتيت بِهِ من هَذَا، علم أَن كتَابنَا أَحَق بِأَن يُوصف بالكمال والاستيفاء، والتمام وَالِاسْتِقْصَاء، وَصدق وسمه بالجليس والأنيس، فَإِن الْكتاب إِذا حوى مَا وصفناه من الْحِكْمَة وأنواع الْفَائِدَة، كَانَ لمقتنيه والناظر فِيهِ بِمَنْزِلَة جليس كَامِل وأنيس فَاضل، وَصَاحب أَمِين عَاقل، وَقد قيل فِي الْكتاب مَا مَعْنَاهُ أَنه حَاضر نَفعه، مَأْمُون ضره، ينشط بنشاطك فينبسط إِلَيْك، ويمل بملالك فينفض عَنْك، إِن أدنيته دنا، وَإِن أنأيته نأى، لَا يبغيك شرا، وَلَا يفشي عَلَيْك سرا، وَلَا ينم عَلَيْك، وَلَا يسْعَى بنميمة إِلَيْك، وَلذَلِك قَالَ بَعضهم:
نعم الصاحب والجليس كتاب ... تهلو بِهِ إِن خانك الْأَصْحَاب
لَا مفشيًا عِنْد القطيعة سره ... وتنال مِنْهُ حِكْمَة وصواب

1 / 6

وَقَالَ آخر:
لنا جلساء مَا نمل حَدِيثهمْ ... ألباء مأمونون غيبًا ومشهدا
يفيدوننا من علمهمْ طرف حِكْمَة ... وَلَا نتقي مِنْهُم لِسَانا وَلَا يدا
فِي أَبْيَات.
وَذكر عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه سُئِلَ: أما تستوحش من مقامك مُنْفَردا بهيت؟ فَقَالَ: كَيفَ يستوحش من يُجَالس النَّبيّ ﷺ وَأَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم، وَقد كَانَ بعض من كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا صيت ومكانة، عَاتَبَنِي على ملازمتي الْمنزل، وإغبابي زيارته، وإقلالي مَا عودته من الْإِلْمَام بِهِ وغشيان حَضرته، وَقَالَ لي: أما تستوحش الْوحدَة وَنَحْو هَذَا من الْمقَالة، فَقلت لَهُ: أَنا فِي منزلي إِذا خلوت من جليس يقْصد مجالستي، ويؤثر مساجلتي، فِي أحسن أنس وأجمله، وَأَعلاهُ وأنبله، لأنني أنظر فِي آثَار الْمَلَائِكَة والأنبياء، وَالْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء، وخواص الْأَعْلَام الْحُكَمَاء، وَإِلَى غَيرهم من الْخُلَفَاء والوزراء، والملوك والعظماء، والفلاسفة والأدباء، وَالْكتاب والبلغاء، والرجاز وَالشعرَاء، وكأنني مجَالِس لَهُم، ومستأنس بهم، وَغير ناء عَن محاضرتهم لوقوفي على أنبائهم، ونظري فِيمَا انْتهى إِلَيّ من حكمهم وآرائهم.
وَقد تجشمت إملاء هَذَا الْكتاب على مَا خلفته ورائي من طول السنين، حصلت فِيهِ من عشر التسعين، مَعَ ترادف الهموم وتكاثف الغموم، ومشاهدة مَا أَزَال مرتمضًا بِهِ، وممتعضًا مِنْهُ لفساد الزَّمَان وانتكاسه، وَعَجِيب تقلبه وانعكاسه، واختلاطه وارتكاسه، وَوَضعه الْأَعْلَام الرفعاء، وَرَفعه الطغام الوضعاء، فقد أحل الأراذل مَحل الأفاضل، وَأعْطى السَّفِيه الأخرق حَظّ النبيه الْعَاقِل، وَصرف نصيب الْعَالم إِلَى الْجَاهِل، وصير النَّاقِص مَكَان الوافر الْكَامِل، وَالرَّاجِح الْفَاضِل، وَقدم على الْعلم المبرز الغفل الخامل، وَلَقَد قلت فِي بعض مَا دفعت إِلَيْهِ، وامتحنت بِهِ، حِين منعت النّصْف، وحملت على الْخَسْف، حَتَّى انقدت للعنف، وأصبحت عِنْد الْغَلَبَة والعسف:
علام أعوم فِي الشّبَه ... وأمري غير مشتبه
أرى الْأَيَّام مُعْتَبرا ... على مَا بِي من الوله
بلحظ غير ذِي سنة ... وحظ غير منتبه
أروح وأغتدي غبنًا ... أَكثر من أقل بِهِ
وَقلت فِي نَحْو هَذَا الْمَعْنى:
أأقتبس الضياء من الضباب ... وألتمس الشَّرَاب من السراب
أُرِيد من الزَّمَان النذل بذلاَ ... وأريًا من جنى سلع وصاب
أرجي أَن أُلَاقِي لاشتياقي ... سراة النَّاس فِي زمن الْكلاب
فِي كثير من نَحْو هَذَا من النثر والقريض، وذم الزَّمَان السوء بِالصَّرِيحِ والتعريض،

1 / 7

وَأَرْجُو أَن يُغير الله مَا أَصْبَحْنَا مِنْهُ ممتعضين، وأمسينا مَعَه مرتمضين، ويشفي صُدُور قوم مُؤمنين، وَيذْهب غيظ قُلُوب الأماثل من الْعلمَاء المبرزين، فقد بلغ مِنْهُم مَا يرَوْنَ من تَقْدِيم الأراذل الضلال، والأداني الْجُهَّال، حَتَّى صدرُوا فِي مجَالِس علم الدَّين، وَقدمُوا فِي محافل وُلَاة أُمُور الْمُسلمين، وصيروا قُضَاة وحكامًا ورؤساء وأعلامًا، دون ذَوي الأقدار، وأولي الشّرف والأخطار، وَكثير مِمَّن يشار إِلَيْهِم مِنْهُم لَا يفهم من كتاب الله آيَة، وَإِن تعَاطِي تلاوتها لحن فِيهَا، وأتى بِخِلَاف مَا أنزل الله مِنْهَا، وَلَا كتبُوا سنة من سنَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا دورها، وَإِن تكلفوا ذكرهَا أحالوها، وآتو بهَا على غير وَجههَا، وَلَا عرفُوا شَيْئا من أَبْوَاب الْعَرَبيَّة وتصريفها، وَلَا لَهُم حَظّ من الفلسفة وأجزائها، وَمَعَ هَذِه فقد اتّفق لبَعْضهِم من فريق قد شدا من الْعلم طرفا، ونال مِنْهُ حظًا، عدد يعظمونه ويغلون فِي تَعْظِيمه وتقديمه على أنفسهم، وَإِن كَانَ أَسْوَأ حَالا وأخفض عقلا مِنْهُم، كَمَا عبد الْأَصْنَام من هُوَ أَعلَى منزلَة مِنْهَا بِالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَة، وَالْعلم والمعرفة، والبطش وَالْقُوَّة، وَالتَّصَرُّف وَالْحِيلَة، وأقدم هَؤُلَاءِ الأغمار على الشَّهَادَة بالزور لمن وَصفنَا جَهله وسقوطه، بإضافتهم إِلَيْهِ من الْعلم بِمَا هُوَ أَجْهَل النَّاس بِهِ، وأبعدهم من مَعْرفَته لميلهم إِلَى بعض ضلالاته، وأنسهم بِكَثِير من خساراته، وَإِن كَانَت بِخِلَاف مَا يعذرُونَ فِيهَا من مُوَافَقَته، فقد صَارُوا سخريًا مسخورًا مِنْهُم، وسخريا مسخرين لتقليد من وَصفنَا صفته، وَاسْتمرّ هَذَا الْفَرِيق الْمَغْرُور على إتباع حزب الشَّيْطَان الَّذين اغتروا بهم، وبذلوا المناصرة لَهُم وممالأتهم ومضافرتهم وإعزازهم، ومظاهرتهم وتأييدهم ومؤازرتهم، واستفزهم مَا يزخرفونه لَهُم من كَلَامهم، وَإِن كَانَ مسترذلًا، ومخطأً ملحنًا، عِنْد من أَعْلَاهُ الله من أفاضل الْعلمَاء عَلَيْهِم، وأبانهم بِالْعلمِ والتفقه فِي الدَّين مِنْهُم، إِذْ أَكثر مَا يأْتونَ بِهِ من الهجر الَّذِي يُسَمِّيه قوم الهاذور، وبمنزلة من قَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء:
هذريان هذر هذاءة ... موشك السقطة ذُو لب نثر
واستنزلهم من عبارتهم مَا هُوَ من نوع هجر باعة القميحة السفوفيين، وتنميق هَذِه أَصْحَاب الْفَاكِهَة والرياحين، وهذيان أهل الْحِكَايَة والمخيلين، فَلَمَّا وَصفنَا جنحنا إِلَى الصَّبْر، واستصحبنا، الخمول رَجَاء إنعام الله بالإعانة والنصر، وَذكرت - فِي وقتي هَذَا عِنْد إثباتي مَا أثْبته من حَال ذَوي النَّقْص الَّذِي يَتَقَلَّبُونَ فِي دولة، وَإِن كَانُوا من باطلهم فِي بولة، على أَنَّهَا سَحَابَة صيف عَن قَلِيل تقشع - خَبرا حَدثنَا بِهِ مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مهْدي الأبلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن السايح، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن شُعَيْب بن سَابُور، قَالَ: سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ ينشد هَذِه الأبيات:

1 / 8

إِذا كَانَ الخطاء أقل ضرًا ... وأنجحَ بالأمور من الصوابِ
وَكَانَ النِّوك مَحْمودًا مذالًا ... وَكَانَ الدَّهْر يرجع بانقلابِ
وعطِّلت المكارمُ والمعالي ... وأُغلقَ دون ذَلِك كلُّ بابِ
ويوعد كل ذِي حَسَب ودينٍ ... وقُرِّب كل مهتوك الحجابِ
فَمَا أحدٌ أضنَّ بِمَا لَدَيْهِ ... من المتحرج المحْضِ اللُّباب
وَأنْشد شَيخنَا أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ ﵀ هَذِه الأبيات، وَفِيمَا أنْشدهُ بَيت آخر وَهُوَ:
وولّى بَعضهم خَرْجًا وحربا ... وولِّي بَعضهم فصلَ الخطابِ
وَحذف من الْجُمْلَة بَيْتا.
وَأَنا مِنْهُ هَذِه الرسَالَة إِلَى هَذَا الْموضع، ومبتدئ بِمَا قصدت إيداعه هَذِه الْكتاب وتضمينه إِيَّاه.

1 / 9

الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ
حَدِيثُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثَلاثِ ليل خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عشرَة وثلاثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عمر حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده من الناي.
التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَوْله ﵇: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَة " أَمر لأمته بتبليغ مَا أَتَاهُم بِهِ من وَحي رَبهم، وَيسر الْأَمر عَلَيْهِمْ فِيمَا يبلغونه، ويلقونه، إِلَى مَا بعدهمْ ويؤدونه، ليتصل نقل الْقُرْآن عَنْهُ إِلَى آخر أمته، وَيلْزم حجَّته جَمِيع من انْتهى إِلَيْهِ مِمَّن يَأْتِي بعده، فقد أَتَاهُ الْوَحْي بِمَا أَتَاهُ من قَوْله، " أُوحِي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذرنكم بِهِ وَمن بلغ " ونظيرُ مَا أَمر بِهِ من التَّبْلِيغ قَوْله فِي خبر آخر: " نَضّر اللَّه امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها ثُمَّ أدّاها كَمَا سَمعهَا، فربَّ حامِل فقه غَيْر فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ " وَقَوله: وَلَو آيَة، فَإِنَّهُ أَتَى عَلَى وَجه التقليل ليسارع كلّ امْرِئ فِي تَبْلِيغ مَا وَقع من الْآي إِلَيْهِ، فيتصل بتبليغ الْجَمِيع أَوْ بعضه نَقله، ويتكامل باجتماعه واستكمال أَدَاؤُهُ.
الْآيَة وَمَا فِيهَا من اللُّغَة والنحو
فَأَما الْآيَة فَفِيهَا من طَرِيق علم اللُّغَة ثَلَاثَة أوجه، وَمن جِهَة صناعَة النَّحْو وَالْإِعْرَاب ثَلَاثَة أضْرب، فأحدُ الْوُجُوه فِيهَا من قِبَلِ اللُّغَة أَنَّهَا العَلامة الفاصلة، وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا لأعجوبة الْحَاصِلَة، وَالْوَجْه الثَّالِث أَنَّهَا الْمثلَة الفاصلة، وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة إِذَا رُدَّت إِلَى أُصُولهَا مُتَقَارِبَة رَاجِعَة فِي الْمَعْنى إِلَى طَريقَة وَاحِدَة، وَجُمْلَة آحادها متناسبة، فَإِذا قيل: اجْعَل لكذا وَكَذَا آيَة، فَالْمَعْنى عَلامَة فاصلة تدل عَلَى الشَّيء بحضورها، وتفقد دلالتها بغيبتها، أَلا ترى إِلَى قَول اللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ: " قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، قَالَ آتِيك أَلا تكلم النَّاس " إِلَى آخر الْقِصَّة فَإِنَّمَا سَأَلَ السَّائِل ربه أَن يَجْعَل لَهُ عَلامَة لمّا وعده وبشره بِهِ، فِي مَا جانس هَذِه ممّا تضمنه كتاب اللَّه عزَّ ذكرهُ، قَالَ الشَّاعِر:
أَلا بلغ لَدَيْكَ بَنِي تَميمٍ ... بآيةِ مَا يُحِبُّون الطعاما
وَقَالَ آخر:
ألِكنْي إِلَيْهَا عَمْرُك اللَّه يَا فَتى ... بآيةِ مَا جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
وَمثل هَذَا فِي الشّعْر وَسَائِر الْكَلَام كثير.
ولمّا كَانَ ذكر الْآيَة يَعْنِي الأعجوبة فَمِنْهُ مَا ذكره اللَّه عزَّ ذكره فِي مَوَاضِع من كِتَابه

1 / 10

عِنْدَ ذكره مَا أحله من النقمَة بأعدائه: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ " بِمَعْنى الْعجب ممّا حلّ بهم عِنْدَمَا كَانَ من تكذيبهم رُسُلَ رَبهم.
وأمّا الْعبارَة بِالْآيَةِ عَنِ الْعُقُوبَات المنكَّلة فكثيرةُ فِي كَلَام الْخَاصَّة من أَهْلَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ كَقَوْلِهِم: قَدْ جُعل فلَان آيَة، إِذا جلّ بِهِ فظيع من الْمَكْرُوه أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ لمن نزل بِهِ شَيْءٍ من هَذَا بِهِ، أَوْ حصل عَلَى صفة مذمومة يُعيَّر بهَا وَيُسَبُّ ويُوصم بهَا: فلانٌ آيةٌ منزلَة، فَأَما الْعِقْد الْجَامِع لهَذِهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة الَّذِي يردُّها إِلَى جملَة وَاحِدَة، فَهُوَ أنَّ العَلامَة إنّما قيل لَهَا لدلالتها وفضلها وإبانتها، وَوَقع الْفَصْل فِي الْقُرْآن بهَا حَتَّى تميزت بَعْض أَلْفَاظه من غَيرهَا، فَصَارَت كلّ قِطْعَة من ذَلِكَ جملَة عل حَالهَا.
وأمّا معنى الأعجوبة فَإِنَّمَا يَقع فِي التعجُّبُ من المستغرب الَّذِي يقل وُقُوعه، فينفصل من الْكثير الْوُجُود الَّذِي يخْتَلط فِيهَا بعضه بِبَعْض، وَلَا يكون فِيهِ من الِاخْتِصَاص مَا فِي الْمَوْجُود الَّذِي قدمنَا ذكره.
وأمّا النكال الحالّ بِمن حل بِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ آيَة، من حَيْث مَسَارُ أمره أعْجوبة يُعتبر ويتعظ بهَا، وَكَانَ معنى خَاصّا قُوبل بِهِ أمرٌ خاصٌّ بِمَا أَتَاهُ من وَقعت المجازاة بِهِ، فَكل وَاحِد من هَذِهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة مجانس لصَاحبه فِي أَنَّهُ أَمارَة وعلامة وأعجوبة لاختصاصها بِمَا فِيهِ حجَّة باهرة، وَدلَالَة قاهرة، ومثلة ونقمة لما فِيهِ من التميز وَالْعجب وفظيع التنكيل، بِأَهْل الزيغ والتبديل.
وأمّا الأضرب الثَّلَاثَة من قبل النَّحْو وتصريف الْإِعْرَاب، فَإِن النَّحْوِيين من الْكُوفِيّين والبصريين اخْتلفُوا فِي الْآيَة مَا وَزنهَا من الْفِعْل، فَقَالَ الْكسَائي: هِيَ فِي الأَصْل فاعلة وَأَصلهَا آيية، وَكَانَ يَنْبَغِي أنَّ تُدْغَم الْيَاء الأولى فِي الثَّانِيَة لاجتماعهما متحركتين فَتَصِير آيَة مثل دابَّة الَّتِي أَصْلهَا دَابِيَة، فاستثقلوا التَّشْدِيد فَقَالُوا: آيَة.
وَقَالَ نحويو الْبَصْرَة: وَزنهَا فِي الأَصْل فَعَلَة وَأَصلهَا أَيَيَة، فَصَارَت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ الْفراء: وَزنهَا من الْفِعْل فعلة وَأَصلهَا أيَّة، فاستثقلوا التَّشْدِيد فأتبعوه مَا قبله فَصَارَت الْيَاء الأولى ألفا كَمَا قَالُوا: ديوَان ودينار وَالْأَصْل فِيهَا دوان ودنار، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي جمعهَا دواوين ودنانير، وَلَا يَقُولُونَ دياوين وديانير، وَيجمع الْآيَة آيَات عَلَى جمع السَّلامَة، وآيًا عَلَى أَنَّهَا من الْقَبِيل الَّذِي سبق جمعه واحدَة فَصَارَ بَيْنَ توحيده وَجمعه الْهَاء الَّتِي فِي واحده. وَقد زعم قومٌ أنَّ معنى الْآيَة: الْجَمَاعَة، وَهَذَا قَول رَابِع لِأَنَّهُ خطأ، وَالْبَيَان عَنهُ أصل اشتقاق الْآيَة بِمَا بَيْنَ الْخَلِيل وسيبويه والأخفش فِيهِ من الِاخْتِلَاف فِي تَقْدِير مَدَّته وتصريفه، واستيعاب بَابه يَأْتِي فِي كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز، عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز إِن شَاءَ الله ﷿.
وَقَوله ﵇: " وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حرج " فإنّ الحَرَج أصلُه فِي كَلَام الْعَرَب:

1 / 11

الضّيق، وَمِنْه قيل للطائفة من الشّجر الملتفّ المتضايق: حَرْجة، وَكَانَ مقَاتل بْن سُلَيْمَان يتَأَوَّل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من ذَكَرَ الْحَرج أَنه الشَّك، وَهَذِه يرجع إِلَى مَا وصفناه من معنى الضّيق، لِأَن الشاكَّ يضيق صَدره، وَيُخَالف الْعَالم بالشَّيْء الْمُثْلج صدرُه بِمَا عَلمِه فِي رَاحَة الْيَقِين، واتساع الصَّدْر وانفساحه وتعرَّيه من ازدحام الظنون وَاعْتِرَاض الشكوك الَّتِي تضيِّقه، وَقد زعم بَعْض أَهْلَ الِاشْتِقَاق أنَّ الَّذِي يَتَّخِذهُ الرَّكْبُ من العيدان والخَشَب لرحالهم يُقَالُ لَهَا حُرْجُوج، لتضايقه واشتباكه وَيجمع حِراج، كَمَا قَالَ ذُو الرمة:
فَسِيرَا فقد طَال الوقوفُ ومَلّه ... قلائصُ أمثالِ الحَرَاجِيج ضمر
وَمِنْه قَلِيل للشَّيْء الْمَحْظُور المضّيق بِالتَّحْرِيمِ وَالْمَنْع: حَرَج وَقَرَأَ بَعْض الْمُتَقَدِّمين: " هَذِهِ أنعام وحرث حرج " مَكَان الْقِرَاءَة الْجُمْهُور حِجْر وحَجْر وَهِي كلهَا لُغَات مَعْرُوفَة فِي الْحجر بِمَعْنى الْحَرَام لُغَتَانِ الضَّم وَالْكَسْر، وَقد قرئَ بهما جَمِيعًا، وَقَوله: حرث حجر أَي حرَام، وَقَوله: " وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا " قَالَ أَهْلَ التَّأْوِيل: مَعْنَاهُ حَرَامًا محرما، قَالَ الشَّاعِر:
حَنّتْ إِلَى النَّخْلَةِ القصوى فَقلت لَهَا ... حِجْرٌ حرَام أَلا تِلْكَ الدَّهَارِيس
وَقَالَ آخر:
قَالَت وفيهَا حِمْقةٌ وذُعْرُ ... عوذ بربي مِنْكُمْ وَحجر
أَي استعاذة تُحَرِّم عَلَيْكُمْ مَا أخافه من مكروهكم، وَالْحجر أَيْضا: الْعقل، والحجى، وَمِنْه قَول اللَّه ﷿: " هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حجر " أَي عقل يمنعهُ من السَّفه والخرق، وَمِنْه حَجَر الْحَاكِم عَلَى السَّفِيه، هُوَ من التَّضْيِيق وَالْمَنْع وَالتَّحْرِيم، والمصدر مِنْهُ مَفْتُوح، وروى أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ للأعرابي الَّذِي بَال فِي المَسْجِد ثُمَّ سَمعه يَقُولُ: " اللَّهُمّ ارْحَمْنِي ومحمدًا وَلَا ترحم مَعَنَا أحدا - " لَقَدْ تحجّرت وَاسِعًا " أَي ضَيّقْتَ مَا وسّعَهُ اللَّه عزَّ ذكره وحَظَرْتَ مَا فَسّح فِيهِ.
والْحِجْر ديار ثَمُود، وحِجْر الْكَعْبَة مكسوران، وحُجْر اسْم الرَّجُل مضموم الْحَاء سَاكن الْجِيم، كَمَا قَالَ عُبَيْد بْن الأبرص:
هلا عَلَى حُجْرِ بْن أمّ ... قَطَام تبْكي لَا علينا
وهرٌّ تصيدُ قلوبَ الرِّجَال ... وأفلت مِنْهَا ابنُ عَمْرو حُجر
كَمَا قَالَ طرفَة:
أيُّها الْفِتْيَانُ فِي مَجْلِسنَا ... جرِّدوا مِنْهَا وَارِدًا وشقرْ
وَالْكَلَام شُقْر بالإسكان مثل حُمْر وصُفْر، وَحجر الْيَمَامَة مَفْتُوح قَالَ الشَّاعِر:
فلولا الرِّيحُ أسمع من بحجرٍ ... صليلُ البيضِ تقرعُ بالذِّكورِ
وحِجْر الإِنْسَان فِيهِ لُغَتَانِ: الْفَتْح وَالْكَسْر.
وَمثل حرجٌ وحجْر، صَاعِقة وصاقعة، وجذَبْته جذبًا وجبذتهُ جبْذًا، فِي نَظَائِر لما

1 / 12

وَصفنَا كَثِيرَة، وَأما حاجز فموضع مَعْرُوف، قَالَ الْأَعْشَى:
شاقك من قَتْلَة أطْلالُها ... فالشطُّ فالقفُّ إِلَى حاجِرِ
وَخص بني إِسْرَائِيل بِهَذَا لمّا مَضَت فيهم من الْأَعَاجِيب، كَمَا خص الْبَحْر بِمَا فِيهِ من الْعَجَائِب، وأرخص فِي التحدث عَنْهُم مَعَ اتقاء الْحَرج بِالْكَذِبِ فِيهِ، وَقَوله: وَلَا حَرَج، يتّجه فِيهِ تَأْوِيلَانِ، إِحْدَاهمَا: أَن يكون خَبَرًا مَحْضا فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه، كَأَنَّهُ لمّا ذَكَرَ بني إِسْرَائِيل وَكَانَت فيهم أعاجيبُ وَكَانَ كثيرٌ من النّاس ينبُو سمعُه عَنْهَا، فَيكون هَذَا مقطعَة لمن عِنْدَهُ علم مِنْهَا أَن يحدث النّاس بهَا، فَرُبمَا أدّى هَذَا إِلَى دروس الْحِكْمَة، وَانْقِطَاع مواد الْفَائِدَة، وانسداد طَرِيق إِعْمَال الفكرة، وإغلاق أَبْوَاب الاتعاظ وَالْعبْرَة، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي تحدثكم بِمَا علمتموه من ذَلِكَ حرج.
والتأويل الثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى فِي هَذَا: النَّهْي فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تحرَّجوا بِأَن تتحدثوا بِمَا قَدْ تبين لَكُم الْكَذِب فِيهِ محققين لَهُ أَوْ غَارِّين أحدا بِهِ، فَهَذَا اللفظُ عَلَى هَذَا الْوَجْه لفظُه لفظُ الخبَر وفائدتُه النهيُ من جِهَة الْمَعْنى، وَلَفظ النَّهْي لَا يَأْتِي إِلَّا مُتَعَلقا بفعلٍ مُستقبل، فَإِذا قيل: وَلَا تَحَرَّجُوا فَهُوَ صَرِيح اللَّفْظ بِالنَّهْي، فَإِذا قيل: وَلَا حرج جَازَ أَن يكون خَبرا مَحْضا معنى ولفظًا، وَجَاز أَن يكون لَفظه لفظ الْخَبَر فِي بنيته، وَمَعْنَاهُ النهيُ لقصد الْمُخَاطب وإرادته، دون صُورَة اللَّفْظ وصيغته، وَنصب الحَرَج فِي هَذَا الْموضع هُوَ الْوَجْه عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنى الَّذِي يُسَمِّيه البصريون النَّفْي ويسميه الْكُوفِيُّونَ التبرئة، وَهُوَ عَلَى قَول الْخَلِيل مبنيٌّ يضارع المعرب، وعَلى قَول سِيبَوَيْهٍ معربٌ يضارع الْمَبْنِيّ، وَلَو رُفع ونُوِّن لَكَانَ وَجها قَدْ عرف واستُعمل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
من صَدّ عَنْ نِيرانها ... فَأَنا ابْن قيسٍ لَا براحْ
وَقَوْلهمْ: لَا حول وَلَا قُوة إِلَّا بِاللَّه، للْعَرَب فِيهِ خَمْسَة مَذَاهِب: لَا حول وَلَا قوةَ إِلَّا بِاللَّه، وَلَا حولَ وَلَا قُوةً، وَلَا حولَ وَلَا قوةٌ، وَلَا حولٌ وَلَا قوةٌ، وَلَا حولٌ وَلَا قُوَّةُ.
وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: " فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَال فِي الْحَج " هَذِه قِرَاءَة شَبيه وَنَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ فِي آخَرين، وَقُرِئَ: فَلا رفثَ وَلا فسوقَ وَلَا جدالَ، وَهِي قِرَاءَة أَبِي جَعْفَر يزِيد بْن الْقَعْقَاع المَخْزُومِي، وَقُرِئَ: فَلا رفثٌ وَلا فسوقٌ وَلا جِدَالَ " وَهِي قِرَاءَة مُجَاهِد وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَعدد غَيرهم، وَقد قَرَأَ بَعضهم وَلَا جِدَال مثل دَرَاكِ ومَنَاعِ، رويتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن أبي إِسْحَاق، وَاخْتلف فِي علل إِعْرَاب هَذِه الْقرَاءَات، وَفِي عِلّة فرق فِي الْإِعْرَاب بَين بعضهما وَبَعض اخْتِلَاف يطول شَرحه، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، وَنحن مستقصو القَوْل فِيهِ عِنْدَ انتهائنا إِلَيْهِ من كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز فِي عَلَمِ الْقُرْآن المعجز وَفِي كتَابنَا فِي الْقرَاءَات، وَكِتَابنَا فِي عللها وتفصيل وجوهها.
وَقَوله: " من كذب عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " قَدْ أَتَت الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ وَمَا

1 / 13

يُقَارِبه من جِهَات كَثِيرَة، وَقيل: إِنَّهُ عَلَى عُمُومه، وَجَاء فِي بَعْض هَذِهِ الْأَخْبَار: من كذب عليّ مُتَعَمدا ليضلّ بِهِ النّاس، وروى أَنَّهُ ورد عِنْدَ قصَّة خَاصَّة فِي رَجُل ادّعى عِنْدَ قَوْمٍ أنَّ النَّبيّ ﷺ أرسلهم إِلَيْهِ ليزوجوه، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ: قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَمَاقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُنِيرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِيكُمْ بِرَأْيِي فِي كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ " ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلا فَقَالَ: " إِنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاقْتُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ "، فَانْطَلَقَ فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَيَّانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ " كَانَ حَيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَانِي هَذِهِ الْحُلَّةَ وَأَمرَنِي أَن أحكم نِسَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ بِمَا أَرَى، وَكَانَ قد خطب امْرَأَة مِنْهُم فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا رَسُولا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَّك أمرت هَذِه أَنْ يَحْكُمَ فِي نِسَائِنَا وَأَمْوَالِنَا بِمَا يَرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ " ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: اذْهَبْ فَإِنْ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِن وجدته قد مَاتَ فَأحرق بِالنَّارِ، وَمَا أَرَاكَ تَجِدُهُ حَيًّا، قَالَ: فجَاء فَوَجَدته قَدْ لَدَغَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَفْعَى فَمَاتَ، فَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " مِنْ كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ أَبُو حَامِدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيث: " من كذب عَلَيَّ مُتعمدًا فَليَتَبَوَّأ معقده مِنَ النَّارِ "؟ قَالَ: رَجُلٌ عَشِقَ امْرَأَةً فَأَتَى أَهْلَهَا مَسَاءً، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ أَنْ أَتَضَيَّفَ فِي أَيِّ بُيُوتِكُمْ شِئْتُ، قَالَ: فَكَانَ يَنْتَظِرُ بَيْتُوتَةً إِلَى الْمَسَاءِ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلانًا أَتَانَا يَزْعُمُ أَنَّكَ أَخْبَرْتَهُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَيِّ بُيُوتِنَا شَاءَ، فَقَالَ: كَذَبَ، يَا فُلانُ انْطَلِقْ مَعَهُ فَإِنْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ، وَلا أُرَاكَ إِلا قَدْ نَعَيْتَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ادْعُوهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأَنْ تُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَلا تُحَرِّقْهُ بالنَّار، فَإِن لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ وَلا أُرَاكَ إِلا قَدْ كُفِيتَهُ، فَجَاءَتِ السَّمَاءُ

1 / 14