8
ويكون في حكم المعدوم من الناحية اللغوية، «فنحن لا نقدر أن نتكلم بحرف واحد حتى نضيفه إلى حرف آخر، كذلك لا يمكننا وزن طبع واحد إلا بإضافته إلى طبع آخر ليتبين»
9 «فكما أن الشيء الواحد لا يكون على أقل من عنصرين (من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة) أو ثلاثة، ولا يكون على واحد ... «فكذلك» قولنا كلمة ما، مثل محمد وجعفر وغير ذلك من الأسماء، لا يكون إلا بتراكيب الحروف، وقد تكون كلمة من حرفين وثلاثة وأكثر من ذلك وأقل، إلا أن كلمة لا تكون من حرف واحد ... لأنه لا تكون كلمة أقل من حرفين: حرف النطق وحرف الاستراحة؛ فقد وجب أن يكون تركيب الحروف كتركيب الطبائع في سائر الموجودات.»
10
ويقول جابر أيضا: «كما أن النحويين يعالجون تصريف الكلمات فيردونها إلى أحرفها التي منها نشأت، فكذلك للفلاسفة تصريف خاص بهم.»
11
إذ هم يردون الأشياء إلى بسائطها؛ فعلم النحو وعلم الطبيعة يتبعان منهجا علميا واحدا.
ولا أحسبني أسرف في التأويل والتخريج إذا قلت إن هذا المنهج بعينه هو الطابع المميز لإحدى مدارس المنطق المعاصرة، وهي مدرسة برتراند رسل المعروفة باسم «الذرية المنطقية»، وخلاصتها أن العالم الطبيعي من ناحية يقابله عالم اللغة من ناحية أخرى، وأنه إذا كان علم الطبيعة الذري قد فتت الأشياء وحللها إلى ذرات، كل ذرة منها مكونة من كهارب، فعلم المنطق الذري هو الذي يقابله في عالم اللغة، وإذن فالطريق الصواب هو أن يفتت اللغة ويحللها إلى ذرات بسيطة، يستحيل تحليلها إلى ما هو أبسط منها على الرغم من أن كل ذرة منها قد تكون مؤلفة من أكثر من مقوم واحد، وهذه الذرات المنطقية هي ما يسمونه بالقضايا البسيطة أو القضايا الذرية. لكن حذار أن نفهم كلمة «الذرة» وكلمة «الذري» هنا بالمعنى المادي، وإلا لفاتنا فهم الطبيعة والمنطق المعاصرين، كما يفوتنا أيضا فهم جابر على حد سواء؛ إنما الذرة والذرية هنا معناهما لا مادي؛ فالذرة في علم الطبيعة الحديث قوامها طاقة، وكذلك القضايا الذرية في منطق برتراند رسل لا يوصل إليها إلا بالتجريد، فهي لا ترد في الحديث والكتابة أبدا؛ لأن كل ما يرد في الحديث والكتابة قضايا مركبة يمكن تحليلها بالعقل وحده إلى البسائط التي منها تتكون، وكذلك الأمر في فلسفة جابر بن حيان؛ فهو ذري بالمعنى الحديث لكلمة الذرة وكلمة الذرية، لا بمعنى الذرة عند ديمقريطس مثلا، وهو المعنى الذي يجعل من الذرة جسما ذا حيز وأبعاد؛ فيكفي أن تتذكر أن جابرا يحل الطبيعة إلى كيفيات أربع: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، وأن هذه الكيفيات أمور مجردة لا وجود للواحدة منها في الطبيعة وجودا مفردا. أقول إنه يكفي ذلك لتعلم أنه حين يرد الطبيعة إلى بسائطها فلا يرتد إلى بسائط مادية بالمعنى الضيق لهذه الكلمة، وكذلك حين يحلل اللغة التي هي القسيم المقابل للطبيعة، فإنما يحللها إلى أحرف، والحرف الواحد - كما أسلفنا - مستحيل على النطق وهو مفرد وحده، ولا وجود له من الناحية اللغوية إلا على سبيل التجريد العقلي.
فهنالك أشياء في عالم الطبيعة ثم تصور لها ولعناصرها في العقل، ثم النطق تعبيرا عما قد تصوره العقل، ثم كتابة هذا الذي نطقنا به؛ أربع خطوات في مرحلة واحدة، أو أربع حلقات في سلسلة واحدة، كل حلقة منها تعيد مضمون الحلقة السابقة في صورة أخرى، لكن جوهر المضمون واحد، وإذن فمسافة الخلف ليست بعيدة بين الشيء الخارجي في طبيعته، وبين الكلمة المنطوقة أو الكلمة المكتوبة الدالة على ذلك الشيء في طبيعتها. يقول جابر: «إن الأشياء كلها تقال على أربعة أوجه: الأول منها أعيان الأمور وذواتها وحقائقها؛ كالحرارة في ذاتها والبرودة في ذاتها، وإن كانا غير موجودين لنا، ثم تصور ذلك بالعقل ... ثم النطق به ... وذلك بتقطيع الحروف ... ثم كتابتها.»
12
Bilinmeyen sayfa