İthaf Akhissa
إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى
Soruşturmacı
د/ أحمد رمضان أحمد
Yayıncı
الهيئة المصرية العامة للكتب
•
İmparatorluklar & Dönemler
Osmanlılar
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه الذي جلّت نعماؤه عن الإحصاء وعلت آلاؤه عن أن تعد أو تحد أو تستقصى، وبهرت حكمته وسبقت رحمته. فالسعيد من كان بها مختصا، فمن أجل نعمائه التي عم بها وخص إظهار مظهر الحلال وهو المخصوص مع زيادة الشرف بقضاء فرض الحج وما يتعلق به من المناسك مما به وصى، وإظهار مظهر الجمال المقدس عن دواعي الشوائب وتخصيصه من بين مساجد الإسلام إذ هو أكثرها من صلة بقول اللَّه ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
أحمده وأشكره على ما منَّ به من حصول القصد وبلوغ المرام من زيارة بيت اللَّه الحرام، وقبر نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. والمسجد الأقصى الشريف والصخرة المقدسة وما حولها "المشاهد"
1 / 75
والمعاهد المعروفة بإجابة الدعوات وخرق العادات، وهذا واللَّه ما كنت أرجوه قبل هجوم الحمام وأرجو من كرم اللَّه ﷿ إتمام هذا القصد الجميل بحسن الختام والموت على الإسلام. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. إله عمت نعمته "فشملت" الداني والقاصي، وتوفرت منته فاستوى في قصد حصولها الطائع والعاصي. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي من كمال فضله عليه وزيادة شرفه لديه المعراج وإسرائه به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السموات العلى على ظهر البراق في جنح ليل داج. وقدَّمه على الأنبياء إمامًا فصلى بهم في تلك الليلة عند قبة صخرة بيت المقدس. ومؤذنه وخادمه إذ ذاك جبريل المطوق بالنور الوهاج وأوحى إليه ما أوحى. وأعاده إلى مضجعه بمكة. وسحاب تلك الليلة ما انجاب وظاهر صبح غرتنا الميمون ما هاج. صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه وابتغوا النور الذي أنزل معه وعقدوا الخناجر على تمكين مقاعد عزه برفع لوائه وإظهار دينه الذي شرعه وجاهدوا في اللَّه حق جهاده ومازالوا على الوفاء بعهده، إلى أن عادت منارات جوامع
الإسلام مرتفعة ومنابر خطبائها بجواهر التوحيد مرصعة، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد فلما راق لى مشرع الحب وصفا، ورق لى ظل الغمام وصفا
1 / 76
ورد على عزمي الساكن مما حركه إلى أشرف الأماكن، فقلت من الواجب المبادرة، إلى أداء فرض الحج الواجب وعزمت بكلي على مجاهدة كلي، وركبت سفينة نجاة كنت أتمناها وقلت لما استويت عليها. باسم اللَّه مجراها ومرساها وساقني سائق الإنعام، والفضل الذي يحل عني الصفة إلى مكة المشرفة، فدخلتها في الثاني من شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وثمانمائة مهلا بعمرة وحللت من ذلك البيت الحرام محلا يتمنى أعظم ملوك الأرض أن لو قضى فيه عمره، واستمريت وللَّه الحمد بقية تلك السنة في ذلك المحل الشريف من العبادة والطواف على حالة حسنة ولما آن أوان الحج حججنا وقمنا من "أداء" الفرض بما يجب على كل حاج حسًّا ومعنى، وحين انقضت أيام مني وقع في العزم فتور في الحركة عن قصد العود إلى الديار المصرية إنشا (إن شاء اللَّه) فنويت المجاورة وقلت مجاورة بيت اللَّه الحرام، أفضل من الرجوع إلى القاهرة.
(وفي أوائل ثمانمائة وتسع وأربعين سنة) من الهجرة النبوية حصل التوجه إلى المدينة الشريفة النبوية وزيارة قبر سيدنا محمد ﷺ وعلى أبيه آدم ومن بينهما من الأنبياء والمرسلين وسلم وشرف وكرم. وكان هذا القصد المبارك هو قصدي الثاني لما فيه من حصول عوارف الفضل ولطف المعاني، ووجوب الشفاعة لمن زار قبره
1 / 77
وانضمامه يوم القيامة إلى لوائه المعقود في المقام المحمود. وما أسعد من أدخله اللَّه -تعالى- في تلك الزمر وإبلاغ السلام إلى الذات الشريفة النبوية المصطفوية شفاها ورده عليه نفسه والتمتع بين قبره ومنبره الشريفين بما يجتنيه الزائر من ثمار العبادة في روضة أنسه المحفوفة من اللَّه ﷿ بالأنوار المشعشعة من أنوار حضرة قدسه.
وتلك علامات الرضا غير أنها من اللَّه لم تحصل لغير موفق وتم هذا القصد المبارك الجميل في تلك السنة بعون اللَّه تعالى وتوفيقه وتيسيره وعدنا إلى مكة المشرفة بقصد الحج ثانيا وكان ذلك مما لا يوافق بواعث النفوس على الانصراف إلى غيره. فحججت وقصدت الرجوع من حيث جئت، والنفس تأبى الموافقة على ما أردت،
فلما رأيتها لا تنقاد ولا تلين، استخرت اللَّه الذي ما خاب من استخاره ولا ندم من استجاره، وأقمت بمن معي من أهلي في بلد اللَّه الأمين متوكلا في طلب الرزق على من هو يرزقنا من (حين) خلقنا وإلى أن يتوفانا ضمين تاليا قول اللَّه ﷿: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وحصل الخير ودرت الأرزاق ونودينا من سر الغيب الكامن في مستودع اللطف الخفي ما عندكم ينفد وما عند اللَّه باق.
1 / 78
وصار الرزق علينا وعلى أهلينا ومن معنا في كل وقت يزيد وملبس السعة والسكون والدعة عند البيت العتيق في كل يوم جديد. وحصلت من فوائد عديدة، ومن ملازمة أنواع العبادة على أشياء ليس هذا موضع ذكرها، ولكن بديع الاستطراد أوجب التنبيه على ذكر المقاصد الحسنة بطريق العادة، بعد مضي تسع سنين في أوائل سنة سبع وخمسين عدت إلى القاهرة المحروسة جعلها اللَّه دار الإسلام إلى يوم الدين.
وما رجعت حين رجعت من الحجاز الشريف وحصول ما حصلت عليه من بركته إلا وخاطري مشغول وقلبي متعلق برؤية بيت المقدس وقضاء الوطر من زيارته فلما صرت بالديار المصرية أشغلتني عن ذلك شواغل الخدمة التي من أجلها نقتات وعاقتني عن ذلك عوائق وحالت بيني وبينه من الأقدار الإلهية حالات.
واتفق أن المخدوم الذي كنت في خدمته ولى نيابة حلب، فقلت الحمد للَّه حصل القصد ونجح الطلب وبلغت إن شاء اللَّه تعالى من زيارة المسجد الأقصى والصخرة المقدسة وما جاور من المعاهد والمشاهد التي هي على التقوى والرضوان مؤسسة، غاية الأرب. وفي الطريق حصلت أيضًا عوائق مانعة وتعذر الذهاب إلى ذلك المحل المقدس لأسباب لا يليق معها إلا المتابعة، ثم إني رجعت إلى عقلي وتمسكت من هذه الفاصلة بالسبب الأصلي
1 / 79
وقلت لو أن صاحب البيت الذي أذن أن يرفع ويذكر فيه اسمه، ليسر الغرض المطلوب ولكن الأمر أمره والحكم حكمه، ثم ثنيت عنان العزم عن قصد الزيارة، وترخيت، ولازمت الدعاء في مواطن الإجابة وتوخيت وشرعت أقول الأمور مرتهنة بأوقاتها.
ومضت على ذلك مدة زمانية والردد كثير من المملكة الشامية إلى الديار المصرية والعزم العزم والشوق الشوق والنية النية، غير أني توهمت من نفسي أن ذلك
حجب وطرد وحرمان، وخفت أن أموت ولم أحصل من الزيارة. على طائل، ثم قلت إن متُّ فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ولا يضر شيء مع الإيمان.
وفي غضون ذلك التوهم الذي حصل جعلت للَّه تعالى على إن دخلت بيت المقدس وقضيت الوطر فيه من الزيارة وبلغت مع الزائرين فيه غاية التمني، واقتفيت فيه من نهج الهدى آثاره، لأؤلفن من فضائل بيت المقدس وعجائبه وما اشتمل عليه من الصفات القديمة والهيائب (الهيئات) التي سارت أحاديثها الحسنة في الآفاق، وهى إلى الآن على عهدها مقيمة. تأليفًا لطيفا أجمع فيه بين الطريف التالد وأقضي به الأرب من خدمة هذا البيت هو في شد الرحال، أحد الثلاثة المساجد، آتي فيه
1 / 80
بما يوفي بالغرض المقصود وأستوفي فيه التليد والطارف، من عجائب الوجود وأشير إلى ما هو مشهور في حرماته العظيمة البركات الطاهرة الكرامات.
رجاء أن أجد ذلك مذخورا عند المولى الكريم الذي يضاعف لعبده الحسنات ويعفو عن السيئات وأنه هو القصد الجميل الذي ما عليه مزيد واللَّه هو الولى الحميد.
فلما كان الثالث من شعبان الذي تنشعب فيه الأنوار، خرجت من الشام المحروسة إلى جهة الأغوار، فزرت من جملة الصحابة، معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة وأبا عبيدة بن الجراح رضى اللَّه عنهم أجمعين وقد فعل.
ومن هناك صممت العزم على المسير، فكانت علامة الإذن التيسير
1 / 81
وربك على كل شيء قدير وكان ممن أجرى اللَّه تعالى به قلم قدرته المحقق إطلاقي من قيد الحرمان المضيق إلى سعة منارة ذلك الفضاء المطلق. فدخلت القدس الشريف في يوم السبت المبارك الثامن والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته سنة ثمانمائة وأربع وسبعين من الهجرة النبوية. فحصل لى في أول وهلة من بقية العشر الأواخر من شهر رمضان ما حصل لأهل السعادة إن شاء اللَّه -تعالى- من جزيل الفضل ووافر الامتنان وحضرت العيد في ذلك الجمع الذي تفرد بخطيبه ومنبره وتوضح بشر فلاح الفلاح على قوس محرابه، وأوضح غوره وسطح لنا الملك العظيم من مطالع أفقه وحلية طرازه ومسرى سواريه وعضائد السهى.
(هذا وقد أشرقت فيه الصخرة الشريفة على السها) وازدهرت مصابيح أنسها في سماء قدسها والصخرة قائمة بنفسها رفعها اللَّه الذي رفع السماء بغير عمد ترونها
فأنشدت:
بلغ الصدود المنتهى ... والقلب عنكم ما انتهى
وإذا رضيتم حالتي ... فيكم فذاك المشتهى
ها قد حللت بأرضكم ... متفيئا في ظلها
مستمطرا من سحبكم ... أهنئ هواطل وبلها
1 / 82
فلئن سمحتم فهو من ... عاداتكم وأجلها
وعوارف الحسنى لكم ... معروفة من أصلها
ثم قلت: الآن تم القصد وحصل المراد وخلت سلمى بسليم فلا راد له عنها ولا صاد ومن ثم بادرت إلى وفاء نذري الذي تقدم (و) نظرت في الكتب الموجودة المتضمنة لما نحن فيه قال الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال بن تميم بن سرور المقدسي الشافعي صاحب مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام -رحمه اللَّه تعالى- ممن سلك ونظم ونثر في حسن التأليف على المنهج الأقوم.
والشيخ الإمام، العالم، العلّامة الحبر، البحر، الفهامة، سيد الأشراف وواسطة عقد المنتمين بالنسب المنيف إلى بنى عبد مناف شيخ الإسلام علّامة العلماء الأعلام تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب الحسيني الشافعي الدمشقي جمل اللَّه الوجود بوجوده وأنار في أفق العلياء كواكب سعوده، صاحب الروض المغرس في فضائل بيت المقدس ممن تمنى وثمر وارتضى وانتقى وصبر واعتبر وأحاط واحتاط وتتبع المقاصد الحسنة من مظانها وصنف ما ألف على صفة لا تحاط بمكانها، ونقل ما نقل من كلام السابقين الأولين بنصه وصاغ في مبادئه وخواتمه، حديث الفضائل بقصة فياللَّه ما أحلى وباللَّه ما أجلى، ولقد أغناني بفوائده التي أهداها عن الافتقار إلى الاطلاع على أهل الصدر الأول فمن بعدهم من الكلام على ما نحن فيه بما يحصل يه كمال الانتفاع، فإنه أخبر في كتابه الكريم المبدئ من فاتحة (كل) كتاب، "بألم" أنه
1 / 83
وقف على فضائل القدس للشيخ الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀، وهو جزء لطيف وأنه وقف على ما حضره من الجامع (المستقصى) -في فضائل المسجد الأقصى للإمام الحافظ
بهاء الدين أبي محمد القاسم ابن الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر، وهو المجلد الأوسط وعلى بعض كراريس يتلوه فيها الجزء السادس عشر والسابع عشر، والمجلد المذكور مقروء على مؤلفه وهو أجزاء أوله الثاني عشر وطبقة سماع على مؤلفه مؤرخة بتاسع عشر شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة بالمسجد الأقصى وطبقة أخرى على مؤلفه أيضًا مؤرخة بسابع ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وطبقة أيضا على غير مؤلفه وهو الشيخ الإمام العالم تقي الدين أبو محمد إسماعيل التنوخي سمع عليه الإمام
1 / 84