İsmail Kasım Hayat ve Edebiyat Kortejinde
إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب
Türler
مر على خاطرنا تاريخ مصر منذ عشرين سنة؛ أي عقب أن وطئ المحتلون أرضها، فكنا نتمثل حوادثها الماضية تمثل الكهل النائم عهد الصبابة وعيش الصبا. تذكرنا تلك الأيام حيث كان الشعور الوطني شديد التمكن من أنفس المصريين، وحيث كانت آمالنا كأغصان وريفة دانية القطوف زاهية الأزاهر متضوعة الشذا. تذكرنا تلك الأعوام التي مرت متتابعة سراعا مرور السحاب تزجيها الأعاصير أو مرور الأنفاس تدفعها الزفرات المتتالية، وما ذكرناها إلا ما كان فيها من النهضة الوطنية التي تهتز لها أجسادنا كلما خطرت سيرتها على البال.
فيا أيتها الأوقات التي تصرمت، هل لك أن تعودي وتعيدي لنا نهضتنا الأولى التي كانت تمثلنا في مصاف الأمم الشريفة المشرئبة إلى الحرية والاستقلال. نعم، لقد كنا إلى عشر سنوات مضت نعقد الجمعيات العلمية ونؤلف الأحزاب السياسية، ويتصدى كتابنا وشعراؤنا وخطباؤنا لتنبيه الهمم واستفزاز النفوس وإحياء العواطف بأقوال تألفت من فقرات الشمم، وكلمات تركبت من حروف المجد والإباء. ثم أصبحنا وقد خفتت أصواتنا إلا ما لبث يتردد من بعض الذين لم ترهبهم البروق ولم يرغبهم البراق. تلك الجمعيات التي كانت توسع دوائر الآداب والتي كانت تبحث وتنقب في ضروب مختلفة من العلوم والفنون والتي كانت تشحذ قرائح الخطباء وتجري ألسنتهم في ميادين الكلام.
لقد كان الكاتب يتفرغ من عمله في النهار فيذهب إلى مجتمعه في الليل، وقد أعد لنفسه خطابا يلقيه على أخوانه في موضوع علمي أو أدبي أو سياسي أو ديني إلى غير ذلك، كما كان الطالب ينتحي المجتمعات متطلبا فائدة يلتقطها أو بيتا يحفظه أو نكتة يعيها أو حكمة يستهديها أو خطبة ينسج على منوالها، وهو يتسمع ألفاظ المتكلمين وهي تتناثر تناثر الطل من أوراق الشجر. فكانت الأفكار تتغذى كل يوم بمادة جديدة، وكانت الألسنة تجري كل مساء شوطا بعيدا، فلو دامت تلك النهضة إلى الآن ولو بقي رجالها على ما كانوا فيه من الحمية والتلهب غيرة وحماسا، لكنا الآن في غير هذا المركز الحرج الذي تتمالأ علينا فيه دول الغرب ونحن صامتون.
كنا نعهد في تلك الآونة أن مصر ملأى بالخطباء المصقعين الذين تتدفق أشداقهم بسيل من البلاغة، وترتطم شفاههم في زبد من الحماس. فأين ذهبوا وماذا فعل الدهر بمواهبهم؟ وهل فجعت مصر بهم أجمعين، أم ضرب بينهم الخمول يجرانه فساكنوه وعاشوا تحت ظلاله هامدين؟
لم لا نسمع اليوم من جلبتهم اللذيذة ورنات أصواتهم العذبة الرخيمة إلا نغمة واحدة تتردد ما بين كل آونة وأخرى على فم خطيبنا الفرد سعادة مصطفى كامل باشا؟
أليس من العار على مصر - وقد امتلأت أصقاعها بأكثر من عشرة ملايين من الأنفس - ألا يكون لها من نابغي أبنائها سوى خطيب واحد؟!
ماذا يقول عنا الأجانب إذا سمعوا صوت هذا الخطيب، وقد بح وأبصروا ريقه وقد جف من كثرة صياحه في أبناء وطنه، مستنهضا داعيا إلى الرشاد والجد والثبات وطرق أبواب العلم والعمل، دون أن يكون له من أخوانه المقتدرين مساعد ومؤازر؟
إن اليد الواحدة لا تقوم بعمل كامل، وإن العين الفردة لا تؤدي وظيفة العينين، والبناء لا يقوم على حجر واحد بل على حجارة كثيرة. فإذا لم يقم في مصر سوى خطيب واحد لا يسمع صوته المحبوب في المجتمعات والمحتفلات إلا مرة أو مرتين في العام، هل يرجى لمصر النهوض المنشود في الزمن العاجل؟ حاولنا كثيرا أن نعلم السبب الجوهري لعجز النابغين من المصريين عن الوقوف في مواقف مصطفى كامل باشا، فلم نر لذلك من سبب سوى كسل المصريين وعدم علمهم بما للخطابة من المكانة الجليلة والمجد الأثيل، وإذا كان هذا القصور مما يحط بقدر مصر ويسقط أبناءها من أعين الأجانب وينسئ في أجل تقدمها سنوات عديدة، فقد أحببنا أن نبسط هذه الكلمة الوجيزة عن الخطابة.
الخطابة موهبة طبيعية توجد في النفس من بادئ نشأتها فتنمو معها كلما نمت، غير أنها تلبث مجهولة إن لبث صاحبها خاملا، وقد تظهر في عالم الشهرة إن عمد صاحبها إلى الاشتهار والظهور.
وفائدة الخطابة لا تنحصر في ربها وتقف عند حد إجلاله وإكباره، بل تتخطاه إلى عامة شعبه وأبناء ملته، فتهزهم كما يهز التيار الكهربائي ما يلتقي به من الأجرام الحساسة المتحركة. فإن كانت مقاصد الخطيب متوهجة إلى الأعمال الجليلة والمشروعات النافعة دفعت قلوب سامعيه إليها، وإن كانت أغراضه منصرفة إلى المفاسد والسيئات تغلبت زلاقته على عواطف مستمعيه، فانساقوا معه قسرا.
Bilinmeyen sayfa