وكان السلطان يسمع وعينه على تقرير ناظم بك، ثم وقف بصره على فقرة أخذ يقرؤها ويعيد قراءتها، والسر خفية ساكت ينتظر ما يقوله السلطان، فإذا به يناوله التقرير ويقول: «تحقق ظنك، إنك مجتهد في البحث وقد صدقك مخبرك، خذ واقرأ.»
فتناول السر خفية التقرير وقرأ فيه ما معناه: «إن الجمعية الملعونة التي رفعت إلى أعتاب مولانا البادشاه خبرها على سبيل الظن، قد تحقق لي الآن أنها تألفت وانتظم في سلكها كثيرون من ضباط الجيش وغيرهم، وأنا ساع في كشف أمرها والاطلاع على مكان اجتماعها ... ولكنني علمت من بعض المخبرين أن مثل هذه الجمعية في الشام تضم الضباط أبناء العرب، وأن بعضهم جاء سلانيك للاشتراك في هذه الجريمة، ويقال إنهم اكتفوا بجمعية سلانيك ووضعوا كل قوتهم فيها وغضوا النظر عن دمشق، فإذا وفقنا إلى كشفها قطعنا دابر المفسدين. ولكنني أؤكد لمولاي البادشاه ملجأ الخلافة الأقدس أن عبده ساهر على مصلحة الدولة وخدمة الذات الشاهانية، ولا ألبث أن أكتشف مكايد الخائنين وأطهر الأرض من وجودهم.»
في سبيل الدستور
كان رئيس الجواسيس يقرأ التقرير والسلطان يتشاغل بتقليب السيجار بين أنامله ويدخن بسرعة وبلا نظام، وأدرك رئيس الجواسيس قلقه فقال: «صدق ناظم بك، إن سلانيك أعظم خطرا من سائر مدائن المملكة، وقد عرفت ذلك من قبل فأرسلت إليها رجلا من جواسيسي منذ بضعة أسابيع، وعهدت إليه في البحث والتنقيب عن جمعية جديدة تألفت هناك من ضباط الجيش. وقد عرفت ذلك من بعض الأعوان في دمشق، فقد كتب إلي أحدهم أن بعض المغرورين سافروا من دمشق إلى سلانيك لهذا الغرض، فإذا كانوا قد جمعوا كيدهم كله في سلانيك فسيرتاح بالنا من جهة الشام ونوجه اهتمامنا لمطاردتهم في مركزهم الجديد.»
فقال السلطان: «هل أنت على ثقة من جاسوسك الذي أرسلته إلى سلانيك؟»
قال: «نعم يا مولاي، إنه شاب ذكي اسمه صائب بك، من أشد الأمناء غيرة على الجناب الملوكي الهمايوني. وقد جاءني منه أمس أنه أوشك أن ينجح في كشف خيانة الخائنين.»
فهز عبد الحميد رأسه وقد تولاه الحنق وقال: «ويل للخائنين ناكري الجميل! حتى الجنود تمردوا علي وأنا الذي لم أدخر وسعا في التوسعة عليهم؟! إني سأنتقم منهم شر انتقام!»
فتهيب السر خفية من غضب السلطان وقال: «إن الجنود الشاهانية - كما قلت لمولاي - لا يزالون على ولائهم، وكذلك الضباط كلهم على الولاء إلا نفرا قليلين أغراهم أولئك الخوارج على نبذ الطاعة، وهم يزعمون أنهم يجاهدون في سبيل الدستور.»
فأجفل السلطان من ذكر الدستور وصاح: «الدستور! لماذا يطلبونه؟!»
قال: «إنهم مغرورون يا مولاي. وأنا أعلم أن أمير المؤمنين من أرغب الناس في منح رعاياه الدستور متى رأى فيهم الاستعداد له، ولكن متى كان أهل الشرق يحكمون بالدستور، وقد تكرم جلالة البادشاه فمنحهم إياه فلم يفلحوا ولا عرفوا كيف يستخدمونه؟!»
Bilinmeyen sayfa