كان السلطان عبد الحميد يستمع لحديث رئيس الجواسيس متشاغلا بفتات من لب الخبز يعركه بين الإبهام والسبابة، فلما لحظ فيه الاهتمام - بعد أن ذكر دول أوروبا- أدرك ما يشير إليه فقاطعه قائلا: «فهمت مرادك، صدقت، إن العرب لا ينبغي أن نخافهم. هل حدث شيء جديد في سلانيك؟ إن أشقياء هذه المدينة لا يركن إليهم لقربهم من أعدائنا.» وبان الغضب في وجهه، فوقف ومشى نحو الباب، فوقف السر خفية ومشى في أثره، وقد أدرك أنه يقصد حجرة الاستقبال التي جرت العادة أن يقابل فيها كبار موظفيه كالسر خفية والباشكاتب والسر عسكر وغيرهم ليطلع على ما جاء به البريد، فقال السلطان: «اقصص علي ما تعلمه من أمر تلك المدينة الجهنمية، هل أتاك شيء بشأنها؟»
فقال: «أرجو أن نجد شيئا في هذا البريد.»
فدخلا الحجرة، وكان في وسطها منضدة مستديرة عليها غطاء من المخمل المزركش حولها مقعد وكراسي، وليس على جدرانها إلا إطار معلق في صدرها وقد كتب في وسطه بخط جميل هذه الآية:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، وتحتها «أمان يا رسول الله.»
وجلس السلطان على المقعد وحقيبة البريد بين يديه على المنضدة وأشار إلى السر خفية أن يقعد، فقعد على كرسي وبادر إلى فض الحقيبة وأخرج منها أوراقا وأغلفة وظرفا، والسلطان يساعده في قراءة العناوين. فأفرد السر خفية ظرفا كبيرا عليه خاتم سلانيك، فتناوله السلطان وهو يقول: «هذا من ناظم بك، إني أتوسم في هذا الشاب خدمة صادقة، ألا تعرفه؟»
قال: «كيف لا؟ إنه حقيقة من العبيد المخلصين للسدة الشاهانية، عرفت ذلك من بعض رجالي الذين بعثت بهم إلى تلك المدينة.»
فقال السلطان وهو يفض ذلك الظرف: «ماذا قال لك رسولك ؟»
قال: «أكد لي صدق خدمة ناظم بك مما يكابده في البحث عن أعضاء تلك الجمعية.»
فلما قال السر خفية ذلك تغير وجه السلطان، وأبرقت عيناه غضبا وقال: «كانت تلك الجمعية الملعونة - التي تسمي نفسها جمعية الاتحاد والترقي - في باريس ضعيفة، ولو لم ينشطها الداماد محمود وأولاده لزال أثرها.»
فقال السر خفية: «قد زال أثرها يا مولاي من وقت طويل، ولكن بلغني أنهم أعادوا الكرة واستأنفوا السعي، ولعل في كتاب ناظم بك ما يكشف الحقيقة.»
Bilinmeyen sayfa