أجابت: «كما تشائين»، وظلت قاعدة، فعادت القادين إلى الجلوس وقالت: «لم تقولي لي ما هي الخدمة التي تطلبينها مني؟»
قالت: «لم يبق لي مع ذكائك حاجة إلى التصريح.»
فضحكت وقالت: «طبعا أنت تطلبين معرفة مقر رامز وتبحثين عن الطريق إلى نجاته؟»
قالت: «نعم، هذا كل ما أطلبه، وإذا كنت تستطيعين أن تساعديني في ذلك فلا أنسى فضلك طول حياتي.»
قالت: «إذا استطعته فإني أفعله من كل قلبي، ولا فضل لي في شيء من ذلك.» وتنحنحت وأظهرت أنها تهم بالكلام ويمنعها الحياء.
فقالت لها شيرين: «ماذا تريدين؟ قولي يا سيدتي، لعلك ترين مانعا من دخولك في هذا الأمر، فإذا كنت ...»
فقطعت كلامها قائلة: «كلا، ولكني أكتم أمرا لا أجد من أبوح به إليه، وقد رأيت فيك ...» وبلعت ريقها، وأطرقت لحظة ثم وقفت وهي تتجاهل ما بدر منها، وقالت: «سأبحث الليلة عن خبر رامز وأطلعك عليه، أفعل ذلك من كل قلبي.» وصفقت فجاءت جارية سوداء فأمرتها أن تعد المائدة وتكثر عليها من الفاكهة وأن تدعو الخازنة قطينة، وأمسكت شيرين بيدها وأنهضتها إلى المائدة فمشت معها وهي تتوقع أن تسمع منها تتمة الحديث وأن تبوح لها بسرها والقادين تغالطها، وكلما اقترب حديثها من تلك النقطة غيرته. فأدركت شيرين أنها كانت تريد أن تكاشفها بسر وندمت فسكتت. •••
قضت شيرين مع القادين وخازنتها بقية نهارها وهي تزداد استئناسا بهما، وظلت عالقة الذهن بما همت القادين أن تكاشفها به، وتوهمت أنها عدلت عن المكاشفة خوفا من ضياع سرها لقلة ثقتها بها فأجلت ذلك إلى فرصة أخرى. ولما مالت الشمس إلى المغيب وانقبضت الطبيعة لفراقها، انقبضت نفس شيرين وغلبت عليها السويداء. وليس أثقل على قلب المحب المشتاق من ساعة الغروب، فإنها تزيده وحشة وألما. ولم تشأ شيرين أن يبدو انقباضها لدى القادين ولا خازنتها، فالتمست الخلوة في غرفة أعدوها لها، وأظهرت أنها متعبة تطلب الرقاد لحظة.
فلما خلت إلى نفسها في تلك الغرفة أخذت تفكر فيما هي فيه وفيما عسى أن يكون من أمر رامز، هل هو هناك؟ وهل يمكن إنقاذه؟ على أنها كانت ترجو من وعد القادين خيرا كثيرا ولم يخامرها شك في صدقها، ولا سيما بعد أن رأتها تهم بمكاشفتها بسرها وهي لم تقابلها من قبل.
وقضت ساعة في مثل هذه الهواجس، وقد أظلمت الدنيا وأنيرت مصابيح القصر إلا غرفتها، فلم يشأ الفراش أن يزعجها بدخوله لأنه كان يحسبها نائمة.
Bilinmeyen sayfa