957

الخامس: أنه وقع في هذا الحديث ترديد بين ثبوت الحجة على العباد وبين ثبوت القضاء والقدر حتى كأنه إذا ثبت القضاء والقدر لم يثبت الحجة، وإذا أثبت الحجة لم يثبت القضاء والقدر، ألا ترى إلى قوله شيء قضى عليهم ...إلخ، أو فيما يستقبلون إلى قوله [511] وثبتت الحجة، وهذا باطل وخلاف لمذهبي الفريقين، فإنهم مجمعون على أن الحجة لازمة للعباد قطعا وإن كانت أعمالهم مقدورة محدودة على علمه تعالى، حتى قال العلامة بن تيمية الحنبلي: أن من احتج بالقدر فهو كالمشركين الذي ذمهم الله تعالى بقوله: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} وأمثالها، وإنما نفى بعض المعتزلة القضاء والقدر في افعال العباد نظرا إلى أن في معناهما ما يشعر بالإيجاد والتأثير، ونظرا إلى أن الله تعالى لم يذكر أفعال العباد بأنها مقدورة، وأما العمومات فلا يتمسك بها عارف نظرا إلى أنه يتصور تقدير الفعل المستند إلى الغير، ولا كونه مقضيا لغير المستند إليه وفيه نظر؛ لأنه لا مانع من التحديد العلمي كما هو معنىالقدر عند أهل التحقيق، نظرا إلى أنه لا يصح إرادته أيضا أي الفعل المستدل إلى الغير، وقد اعترف بهذا رئيس الأشاعرة صاحب نهاية الأقدام، واستدل على ذلك بما لا خلاف في صحته عندهم، وهو أن الإرادة هي المخصصة للفعل بوقت دون وقت، ووجه دون وجه، وقدر دون قدرن ويستحيل أن يجري هذا التخصيص في الفعل الإختياري المستند إلى الغير؛ لأن الذي يخصصه كذلك هي إرادة ذلك الغير الذي هو مختار في فعله، ولا يتصور هذا المعنى إلا في حقها لا في حق إرادة أخرى،فلو تعلقت تلك الإرادة الأخرى بفعل الغير لزم أحد محذورين، أما كونها غير مخصصة وفي ذلك خروج لها عن صفتها الذاتية، أو كونها مخصصة للفعل الإختياري المستند إلى قدرة الغير وإرادته، وكلاهما محال، هذا معنى ما ذكره الشهرستاني، وهو حق لا ريب فيه على مذهبهم، هذا وكثير من المحققين منهم قد قالوا: بأن القضاء عبارة عن الإرادة كما مر، وعلى هذا الذي ذكره الشهرستاني لا تكون أفعال العباد القبيحة المكروهة عند الله تعالى مقتضية له عزوجل إلا على تقدير أنها أفعال له تعالى، وهو عين مذهب المجبرة ففي القول بذلك مصادرة ظاهرة فاتضح أنه لا خلاف إلا في قاعدة الجبر في الحقيقة لا في نفس القضاء والقدر، فلا خلاف في الحقيقة إذ لو أثبت المجبرة تأثيرا للعبد في أفعاله ولم يعترفوا بأن القضاء والقدر من باب العلم لم يثبتوهما في أفعال العباد أصلا، ولو ذهب أولئك المعتزلة ومن يجري مجراهم إلى أن القضاء والقدر لا يزيدان على معنىالعلم لم يمنعوهما في أفعال العباد، ولا قالوا بأن في تعلقهما بأفعال العباد إبطالا للحجة.

السادس: أن قوله تعالى: أفلا يكون ظلما غير صحيح علىمذهبي الفريقين، أما عند المجبرة لنفي الحسن والقبح عقلا، ولهذا أوردو المعترض في أول كتاب العدل ما سيأتي له من الهذيان ونفي تصور الظلم في حق الله تعالى هو في الحقيقة في هذا الحديث مناقض لنفسه بنفسه، فاعتبروا يا أولي الألباب.

وأما العدلية فلأن الظلم إنما يكون علىتقدير خلق الباري تعالى للمعصية من العبد، ثم تعذيبه عليها، وما نحن فيه ليس كذلك فإنه جعل العمل فيما قضى عليهم ظلما أعم من أن يكون العلم طاعة أومعصية، وعلى تقدير المعصية فهو أعم من أن يعاقب عليها، أو يعفوا عنها، ولا ظلم مع العفو قطعا، كما أنه لاظلم مع الطاعة إذلا خفا في أن إدخال الجنة لا يكون ظلما [512]سوا كن العمل مخلوقا لله للباري تعالى أولا وهو واضح جدا.

Sayfa 1084