921

واعلم أن الأشاعرة القائلين بأن للعبد قدرة وإرادة متعلقان بفعله الإختياري ولا يؤثران فيه أصلا قد كابروا عقولهم في الحقيقة، ومالوا عن واضح الطريقة؛ وذلك لأن الصفات لا تعرف إلا ن آثارها، وفوائدها، وغاياتها، ألا ترى أنه لا يعرف العلم إلا من أحكام الأفعال، فإنا إذا نظرنا إلى الفعل ووجدناه محكما علمنا أن فاعله عالم؛ لأنا بأحكامه نعلم أنه انكشف لفاعله انكشافا تاما حتى تمكن من أحكامه على الوجوه التي كان بها محكما، ولا معنى للعلم إلا هذا، فإنه صفة تقيد انكشاف متعلقها، وظهورة عند المدرك الذي له الصفة، وهكذا الحياة فإتن كون الموجود حيا لا يعلم إلا من الآثار التي تدل على حياته، ولهذا كان العلم بأنه تعالى حي مستفادا من العلم بكونه تعالى عالما قادرا إذ لا يتصور اتصاف غير الحي بالعالمية والقادرية، وهكذا الوجود لا يعلم إلا من آثاره الخارجية، ولهذا قالوا: أن الوجود الخارجي مبدأ الآثار الخارجية.

وقال جمهور المعتزلة وغيرهم: أن أن الموجود يتعلق بفاعل معدوم، وهذا مما ينبهك على خطأ من زعم أن المعتزلة القائلين بثبوت الذوات في العدم بثبوت الإله تعالى عالما قادرا خالقا للخلق، ثم أنهم يستدلون على وجوده بناء على جواز كونه ثابتا في العدم، وقد توهم ذلك الرازي آخذا من كلام ابن الملاحمي، ولي هذا هو المقصود هنا وإنما المقصود مانحن بصدده من الكلام على التعلق، وإذا قد عرفت هذا الذي ذكرناه فقدرة العبد لا دليل عليها إلا آثارها، وإلا لزم أن يكون الدليل عليها أقوى من الدليل على قادرية الله تعالى؛ لأنا لم نستدل على قادريته تعالى إلا بآثارها، وكذلك الأشاعرة ما استدلوا على قدرته تعالى إلا بالآثار، فلو قيل: أن للعبد قدرة عاطلة عن الآثار لزم إثبات مالادليل عليه، فإن قيل: أنها معلومة بالوجدان وهو من الأدلة لمن قام عنده.

Sayfa 1045