İhtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ثانيا: فلأن عدم تناهيهم ليس فعلا من الأفعال حتى يكون تعديا عن الحد الشرعي إذ هو عدم، سلمنا أنه يتضمن كفا للنفس عن التناهي، فهذا الكف الذي هو فعل قلبي كما ذكروه في مباحث [492]الأمر والنهي لا يخلوا إما أنيكون مكسوبا لهم أولا إن كان الثاني فظاهر، وحينئذ يكون الذم لمحض صنع الله تعالى، وإن كان الأول فلا خفا في أنه لا معنى لكونه مكسوبا لهم مع انتفا كونه معمولا لهم، إذ قد عرفت أنه تعالى هو العامل لذلك لكونه صانعا له كما مر، وإذا انتفا كونه مكسوبا لهم كان الأمر فيه ظاهر كالتقدير الأول، فتدبروا فهم والله أعلم وأحكم، وبهذا يلوح لك أن الحديث المذكور لايصح معناه على مذهب المعترض ومذهلب أصحابه الأشاعرة أن صنعة العبد المذكور في هذا الحديث إما أن يراد بها صنعته التي هي صنعته حقيقة أولا لا سبيل إلى الأول؛ لن صنعته التي هي صنعته حقيقة عندهم إنما هي مجرد الكسب والمحلية، لا الآثار والصور الخراجية، فإنها لا دخل فيها للكسب عندهم كما مر فلا يكون صنعة للعبد حقيقة، فيلزم على هذا التقدير أن الكسب مصنوع لله تعالى وهذا باطل اتفاقا كما مر، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الحديث إنما يفيد على هذا أن صنعة العبد المحاربة أي التي لا تتصف بأنها صنعته إلا مجازا لا حقيقة فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع ليس في صنعة العبد المحاربة أي التي ليست صنعته إلا مجازا، بل الحديث على هذا التقدير حجة للمعتزلة وللعدلية على الأشاعرة؛ لأنه يفيد أن ما خرج عن محل الكسب صنعة العبد، والأصل الحقيقة فيكون مؤثرا فيه اتفاقا؛ لأن الخصم معترف بأن ما خرج عن محل الكسب لايكون إلا عن تأثير، فإضافته إلى العبد يفيد أنه مؤثر فيه كما مر، فليتدبر.
وأما قوله المعترض من الأحاديث الصحيحة فقد عرفت أن أكثر تلك الأحاديث التي يزعم صحتها لا تدل على مطلوبه أصلا، بل ليس فيها أكثر من الإستقلال بالقدر وهو والعلم من واد واحد، فبناه للإستدلال بالعلم على تلك الأحاديث التي مرجعها إلى العلم من باب بناء الشيء على نفسه، وتصحيح الدعوى بالدعوى نفسها، وهل هذا إلا تخبط، والعجب من قوله دلالة قطعية وكل أحد يكذبه في هذا البهت حتى أصحابه الأشاعرة، كيف وقد قال جمهورهم: أن الدليل النقلي لايفيد إلا الظن كما ذكره الإمام الرازي في المحصل، ونجم الدين الكاتبي في المفصل، والفاضل علي الكرشحي في شرح التجريد، وغيرهم، هذا كلامهم في الدليل الذي هو دليل، فماظنك بما ليس إلا خيالا كاذبا، ودهما مجردان فيا عجباه من ادعاء كونه قاطعا.
Sayfa 1043