İhtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ثم أن كل عاقل يعلم أنه لو قال القائل خلق الله ما عمله النجار لم يفهم منه إلا أن الخشب التي نجرها النجار كرسيا مخولقة لله تعالى لا أن تربيع الكرسي ونجارته فعل الله تعالى كما تجاسر على ذلك المعترض، وكفى بمثل هذا العناد الذي وقع فيه بسبب نصرة مذهب الجبر رادعا عن كل مذهب لا مستند له إلا تقليد الأسلاف والشغب بالشغب والخلاف، ولقد أوضح جار الله المقام فضل إيضاح لذوي الألباب فلم يكتف بالكرسي والباب بل زاد السواد والخلخال رفعا لما عساه أن يتوهم من الأشكال لمن في قلبه مرض، تحقيقا لشهرة المجاز في إطلاق العمل على جملة المعمول من الجوهر، والغرض فإن الصانع لا يوجد إلا نفس شكل السوار ولا يؤثر إلا في تكييف الخلخال على شكله المخصوص أيضا دون جواهرهما من الفضة ونحوها فإن الله هوالمستقل بإجادها مع صحة قولك هذا السوار والخلخال مما عمله الصانع فلان، أو عمل له، أو من معمول؛ لأنه كل هذا جار في اللسان، مشهور في التخاطب بلا نكير، ولطال ما يقال هذا المحراب من عمل فلان مع أنه لا أثر له في إيجاد الحجر والطين وسائر ما هو من المادة، وإنما أثره في البنيان والصورة، وقد خفى هذا على المعترض مع أنه في وضوح شمس النهار، ولا يكاد يخفى على الصانع والنجار، وكفاك عليه شاهدا قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب} لكن المعترض لم يتعقل معنى السؤال ولا ما حاصل الجواب، بل لم ينظر إلى قول رب الأرباب: {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم} على التفسير الواضح لذوي الألباب، ولو أحاط بثمره وأراد فيما عملته يد جار الله عين نظره لعلم مواقع عمله، وسوء زلله، وسلك مسلك المهتدين، ولكن الله تعالى يقول: {كذلك[458] نطبع على قلوب المعتدين}.
وأما ما يقال في هذا المقام من أن المجاز مرجوح مع إمكان الحقيقة وما ذهب إليه المعترض لا يلزم فيه من ارتكاب المجاز فليس بشيء.
أما أولا: فلأن المجاز لازم على المذهبين معا، أما مذهبنا فقد وضح، وفيه كلام سيأتي لنا التعرض له إن شاء الله تعالى، وأما مذهب المعترض وسائر المجبرة فلأنه لا يخلوا إما أن يراد بالمعمول مجرد التصوير والتشكيل والصورة والأشكال الحاصلة عنه، وعلى كل تقدير فالمجاز لازم على الأول، فالتجويز في إقامة المصدر مقام المفعول فلأنه قد سمى ما يوجد في غير محل القدرة كالصورة والأشكال لا ينسب إلى العبد أصلا، ولا دخل للكسب فيه كما سلف وسيأتي أيضا، فإذا أضيف إلى العبد فبطريق المجاز، وستقف في كلام السبكي الآتي نقله على ما تحقق ما ادعيناه هنا مع زيادة هدى، وقد نبهنا أنه لا يصح على مذهبهم أن يراد بقوله تعالى ما تعملون نفس التشكيل الذي هو عمل العباد حقيقة عندهم ولا أن يراد به نفس الأشكال أيضا.
أما أولا: فلأن عملهم الذي هو التشكيل عبارة عن كسبهم على ما هو مذهب هؤلاء الأشاعرة، والكسب لا يتصور أن يتعلق به الخلق والإيجاد كما عرفت.
Sayfa 976