783

ثم نقول: لاشك ولا خلاف[410]في أن الكتاب والسنة ناطقان بتمكن العباد من أفعالهم، وكل من كاتن متمكنا من أفعاله كان مؤثرا فيها، أما الصغرى فبالإتفاق كما ذكرناه، وأما الكبرى فلأنه لا معنى لتمكنهم من أفعالهم إلا تمكنهم من تأثيرهم فيها، أولا معنى لتمكنهم كما يتبين لها؛ لأنه لا معنى للكسب إلا كونهم محلا لما يخلقه الله فيهم حال كونهم قادرين مريدين بقدرة وإرادة تأثيرات.........كما مر .......أهل الكسب ولا معنى لتمكنهم من كونهم محلا لما يخلقه الله تعالى فيهم؛ لأنه لا يتصور التمكن مما كان التأثير فيه مستندا إلى الغير مع أن الأشاعرة ما قالوا بأن الكسب عبارة عن مجرد المحلية فقط بل قالوا: أنه عبارة عن كون العبد محلا لما يخلقه الله تعالى فيه، مع كونه قادرا مريدا بقدرة وإرادة، لا تاثير لهما في الفعل أصلا كما مر، وعلى هذا فلا يتصور التمكن من الكسب وإلا لزم أن يكون العبد قادرا على أن يكون قادرا على أن يكون قادرا مريدا بقدرة وإرادة لا أثر لهما في الإيجاد والترجيح وهو محال، كما أنه يستحيل أن يكون متمكنا مما هو مستند[411]إلى الغير، ولا يخفا أنه لو جاز أن يكونوا متمكنين من كونهم محلا لما يخلقه الله فيهم من الأفعال لجاز أن يوصف المكان الذي يقع فيه الضرب بأنه متمكن من الضرب الواقع فيه؛ لكن اللازم باطل قطعا وإجماعا، فالملزوم باطل أيضا، فعلم أن تمكن العباد من أفعالهم هو التمكن المعقول المعلوم في اللغة، وظهر أنه كلما كان متمكنا كان متمكنا من الفعل الصادر عنه بالإختيار كان مؤثرا فيه، والأشاعرة ونحوهم معترفون بالتمكن فيما يدعون ويذرون كما مر، ومنكرون للجبر الخالص فيما يدعون، ويجادلون بجدال قد تدمر، وإذا جاء الحق بطل ما كانوا يعملون يوفترون، وانكشف لهم، معتمدون على ما هم له منكرون {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون}.

ومن زعم أن ما في الكتاب العزيز والسنة الشريفة وأقوال الحكماء وسائر العقلاء من إسناد أعمال العباد إليهم ليس هو الإسناد المعقول المعلوم من لغة العرب، وإنما هو عبارة عن مجرد كونهم محلا لما يؤثر فيه الباري تعالى، وأنه عزوجل إنما يطلب منهم بالأوامر والنواهي مجرد المحلية لما يخلقه فيهم تعالى، فعليه البيان ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا على مرور الأزمان.

وقد ظهر بهذا أن استدلال جار الله رحمه الله لو كان بمجرد الإسناد لكفاه ذلك، إذ لا يسند الفعل حقيقة إلا إلى من حصله، فالضارب هو من حصل الضرب لا من قام به، وهذا مركوز في العقول السالمة عن التغييرات.

Sayfa 882