729

ومن المعجائب غفلة العضد كابن الحاجب وغيره من الأشاعرة عن هذا الخطأ مع أنهم قد صدروه المسألة بما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، ثم أوردوا هذا الذي لا مزيد عليه عند المعتزلة في حكم العقل بقبحه -أعني التصرف في ملك الغير- والبعث اللازم من عدم الإباحة على ما وهمه هؤلاء الأشاعرة، وقد عرفت أن قبح التصرف في ملك الغير من القضايا الصرفة كالعبث، وهذه منهم هفوة لا جفوة، وقد اعتذر سعد الدين في حاشيته على شرح العضد فقال ما محصله: إن الحكم الذي نفى إدراك العقل في صدر المسألة هو الحكم الخاص التفضيلي، والحكم الذي لزم ثبوته من حرمة التصرف في ملك الغير مثلا اجمالي فلا تناقض، وقد قلده المعترض في هذا كما أشار إليه بقوله: فلا يحكم العقل فيه بحكم خاص تفصيلي...إلخ، وهذا اعتذار أقبح من الذنب.

أما أولا: فلأن أكثر أحكام الحسن والقبح عقلا لا تدرك إلا من وجه إجمالي، وقد اعترف به هو أيضا في التلويح كما سلفت حكايته عنه، فكان يلزم على قود كلامه أن تجري هذه الثلاثة المذهب فيما لا يحصى من الأحكام، ويكون جميعها داخلة في هذه المسألة المترجمة بعدم إدراك العقل فيها بحسن ولا قبح.

وأما ثانيا: فلأن القول بحرمة التصرف في ملك الغير مستلزم لإدراك جهة القبح تفصيلا، فلو سلم ذلك لارتفع النزاع بين المعتزلة، ورجعت الثلاثة الأقوال إلى الحضر، وستعرف قريبا أن القائلين بالحضر لم يذهبوا إلى أن العلة هي حرمة التصرف في ملك الغير، وإلا لكان خروجا عما هو فرض المسألة، لكنهم جعلوا عدم إدراك العقل جهة الحسن كافيا في الحكم بالقبح.

Sayfa 822