699

وأما العقاب فمتوقف على الشرع وحكاه كثير من أصحابهم وغيرهم، قال: وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن، انتهى كما نقله عنه صاحب الإيثار، قال: وقد سبق أن تسليم هذا القدر من التحسين والتقبيح العقلي يوجب المواقفة على إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى إلى آخر كلامه وهو حق فالإحسان الممدوح على فعله ثابت بالعقل من دون نزاع لمن يعترف بحكمة الله تعالى، وقد سبق التنبيه على ذلك مرارا، فقول المعترض: وإنما المطلوب إثبات إحسان ..إلخ جهل منه بمحل الاتفاق ومحل النزاع، ويراد المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه قدس الله روحه ما ادعى ثبوت إحسان بالمعنى المتنازع فيه بزعم الخصم، بل مجرد ما يستحسنه العقل سواء ورد الشرع أم لا، وقد عرفت أن من سوى بين رجلين أحدهما معروف بمطل الوديعة والكذب، وإيذاء الجار، وهتك المحارم وسرق الأمتعة، والآخر معروف برد الودائع والصدق، وصيانة الجار والذب عن المحارم وستر العورات، وحفظ متاع الغير، وبالجملة فأفعالهما جميعها كالمتضادة فهن أي الذي يسوي بينهما مكابر لعقله معاند لفطرته، فلا يلتفت إليه عند العقلاء، بل ربما ذموه ذما مكررا، والمعترض ادعى أنه مصادرة على المطلوب فأقل الحيا وأكثر الوقاحة إذ نسب مثل الإمام الرازي وسعد الدين وغيرهما من الأشاعرة إلى عدم معرفة المصادرة والجهل منهم بعدم الحاجة إلى الاعتراف بمتعلق المدح والذم، والملائمة والمنافرة، فقوله: وهو مصادرته إلى المطلوب ميل منه عن المطلوب وكأنه لم يعرف ما ذكرناه عن الإمام الرازي والسعد، والزركشي وغيرهم ، {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}، ثم ما سلم هو من مناقضة نفسه بنفسه؛ لأنه قال: أولا أن محل النزاع ليس الأصل يدرك العقل مع قطع النظر عن الشرع نه مما يستحق أن يمدح فاعله عاجلا ويثاب عليه آجلا ..إلخ، وهنا قال: إنما الشأن في إثباتات هذا الفعل الأول إحسان... إلخ، وأطرح ذلك الثواب والعقاب فاعتبروا يا أولي الألباب، ثم لا اشتباه في أن المصادرة إنما تلزم أن لو جعل المؤلف مدعاه جزءا من دليله، لكن ليس كذلك كما عرفته [366] أوضحناه حاصل معناه أن إطباق العقلاء على تصويب من مدح المحسن مثل العادل، والصادق، وذم المسيء مثل الجائر والكاذب، يدل على حسن الأول وقبح الثاني، فإذا قلت مثلا: هذا الفعل حسن؛ لأنه لو لم يكن حسنا لما أطبق العقلاء على تصويب المدح لفاعله، لكنا نجدهم مطبقون على ذلك فثبت حسنه، ونقول: مثلا هذا الفعل كالجور والكذب قبيح لإطباق العقلاء على تصويب الذم لفاعله، وكلما ما كان كذلك ثبت قبحه، فأين المصادرة يا أخا الأشاعرة، ولك أن تقرره بوجه آخر لا يلزم منه أن يكون إحدى مقدمتي الدليل غير المدعي المستلزم للمصادرة، وهو ظاهر فلا حاجة إلى مزيد إيضاحه، وفي قوله: لأنه سلم أولا ثبوت ...إلخ مناقشة فكان الصواب أن يقول: لأنه ادعى كما لا يخفى على من عرف معنى المصادرة والخطب يسير، هذا وقد ظهر أن ثبوت ما ادعاه المؤلف على طرف التمام بإعتراف السعد والإمام، وليس دون خرط القتاد يا أخا الأكراد.

Sayfa 786