1439

وإذا تبين ما ذكرناه علم أنه لا بد من تميز المعدومات حالة إيقاع الأحكام عليها وأما أنها لا تشم رائحة الوجود هنا والثبوت بوجه ما مع الحكم عليها بالتميز التام فخارج عن طور العقل، ولهذا اعترف نفاة ثبوت الذوات في العدم من المعتزلة بصحة العلم بها والإخبار عنها حتى أن الفاضل اليمني لما نظر إلى بعض المواضع من الكشاف يقضي بشيئية المعدوم مع تصريح جار الله في المنهاج والكشاف أيضا بأن المعدوم ليس بشيء كما سبق لنا تأوله بأن مراد جار الله بما ذكره في بعض المواضع من الكشاف من شيئية المعدوم هو صحة العلم به والإخبار عنه، وأنت خبير بأن القول بثبوت الذوات في العدم لا يوول إلى أكثر من هذا إذ لا يريدون بأن في الأزل ذواتا مرصوصة وجواهر مركوزة وإنما اضطرهم الدليل إلى إثباتها في العدم كما اضطر الفلاسفة إلى القول بوجودها في الذهن حتى في القدم على ما هو معروف من أصولهم وسيأتي لهذا مزيد توضيح في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد علمت في ما سبق لنا أن العلم ما لم يكن متعلقا بالشيء لم يصر الشيء معلوما بالعقل كما اعترف به الدواني فما هو الذي تعلق به العلم وما هو الذي حكم عليه بالتميز ولولا ما أشرنا إليه لما اضطر المتكلمون في متعلق العلم [756] بنفي ثاني الباري تعالى وتردد أبو علي ابن سينا في الممتنع مطلقا هل يتصور واقعا أو لا فقيل بتصوره على سبيل التشبيه والتمثيل كما سيأتي أيضا، وقيل بتصور واقعا إذا لو لم يتصور لم يصح الحكم بامتناع تصوره وهذا مما يدلك على ما ذكرناه آنفا، وقد اشرنا أيضا إلى أن تميز عدم العلة عن عدم المعلول مثلا رادع إلى تميز العلة عن المعلول وكذلك سائر الأعلام المتمايزة، ألا ترى أنه يزداد التميز قوة وضعفا بين العدمين بحسب قوته وضعفه بين المعدومين فتمايز عدم بعض المعلولات عن بعض ليس له قوة التميز الذي بين عدم العلة وعدم المعلول ما ذاك إلا لقوة التمايز بين العلة والمعلول فعرفت أن مرجع تمايز العدمات إلى المعدومات نفسها وإن ابتناه على إحدى قاعدتي الوجود الذهني وثبوت الذوات في العدم، والأشاعرة غير قابلين بشيء من القاعدتين فقد زل قدم المعترض إن كان ساعيا في توجيه كلامهم.

Sayfa 1583

İhtiras | Usul