İhtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ولا يخفى أن الأشاعرة إنما حاولوا الفرار من دفع الضرورة وراموا النجاة من الشناعة الموفورة فما بالهم لم يثبتوا أمرا يقتضي الفرق بينهم وبين الجهمية فيما وقعت الشناعة فيه وثبت به أنهم كابروا الضرورة العقلية والدينية وأن ذلك لا يتم إلا بإثبات ما نفاه الجهمية وكان سببا لنسبة إنكار الضرورة إليهم وليس النسب إلا جعلهم العبد بمعزل عن التاثير وغير أهل لتقديم ولا لتأخير فلا بد للأشاعرة من إثبات التأثير إذا راموا التميز عن أصحابهم الجهمية وإلا أثبتوا أمرا آخر يعتمد عليه في الفرق بين الجبري الخالص والأشعري وذلك لا يتم إلا بمجرد اسم قدرة مع التعطيل عن التأثير الذي لا يتم معنى القدرة إلا باعتباره وإنما يتم بما يقوم وينفع في دفع ما يورد على أصحابهم الخلص من الجبرية في مخالفتهم الضرورة، وأما إثبات اسم قدرة عاطلة فلا يحصل به فرق ولا يتميز به حركة المختار عن حركة المرتعش فإن القدرة التي لا تأثير لها لو فرضنا تجاوزها للاسم والعبارة فهي كسائر أعضاء المرتعش التي لا دخل لها في صدور الحركة ولا عدمها فقد سووا كالجهمية بين حركة المرتعش والمختار في جميع الأحوال إذ كل منهما بريء عن سمة التأثير في الفعل، غاية الأمر أنهم زادوا للمختار اسما لا معنى له ولا فرق بينه وبين غيره بما هو حاصل للمرتعش من الأوصاف التي لا دخل لوجودها ولا لعدمها في وجود حركته ولا عدمها وكل عاقل منصف إذا أراد نفي اقتداره على الفعل ما زاد على نفي تأثيره فيه فإن نفي التأثير هو بعينه نفي للقدرة كما مر ولا يعرف كل عربي سالم الفطرة إلا هذا، فالذين يثبتون القدرة بلا تأثير قد أثبتوا ما نفوا ونفوا ما أثبتوا هذا في جانب القدرة.
وأما الإرادة فلا يخفى على أحد أنه لا معنى لها إلا المرجح لبعض ما يصح تعلق القدر به [680] دون البعض كما صرحوا به أنفسهم، ولا يخفى أيضا أنه لا فرق بين قولك هذا الشيء مرجح وبين قولك هذا الشي مؤثر في الترجيح بل لا معنى للمرجح إلا المؤثر في الترجيح لا سيما على مذهبهم في أن اسم الفاعل إنما يكون حقيقة للمباشر حال التلبس بالمعنى فالإرادة التي لا تشم رائحة التأثير في الترجيح ليست إرادة حقيقة وإنما هي مجرد اسم كالكسب وقد صرح الإمام الرازي بن المرجح هو المؤثر في الترجيح وهذا مما لا يتصور فيه خلاف بغير مكابر وعناد.
وبالجملة فقد نفوا ما أثبتوا.
Sayfa 1429