1179

قال: ولنزده إيضاحا فنقول: لو كانوا عالمين بعقولهم قبل البعثة على الاستقلال كما هو مذهبكم لقامت الحجة عليهم فإنه على هذا التقدير إذا قيل لهم: أوليس الله خلق فيكم عقولا مستقلة بإدراك القبيح والحسن وقد خالفتم مقتضى عقولكم ما أمكنهم أن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا ...إلخ لأن الفرض أنها مستقلة بالإدراك، ومعنى الاستقلال أن لا يكون ثمة احتياج إلى الغير ولا للتنبيه وإلا لم يكن ثمة استقلال، فلا معنى لقولهم: {لولا أرسلت إلينا رسولا} إلا الاعتراف بالعجز وعدم الاستقلال بإدراك الأمور، وإذا لم يكونوا مستقلين لم تقم عليهم الحجة كما يدل عليه {لئلا يكون للناس على الله حجة} فقيده بقوله: {بعد الرسل} وما قال بعد العقول، فهذا دليل على أن قبل الرسل لهم حجة، وكذا قوله تعالى: {ولو أنا أهلكناهم...}الآية، لأنهم جعلوا اتباع الآيات مرتبا على إرسال الرسول بدليل العطف بالفاء حيث قالوا: {لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك} وهو دليل على أنه لا يمكنهم الاتباع قبل إرسال الرسول وإلا لكانت الحجة قائمة عليهم قبل الرسول فلم يكن لهم أن يقولوا هذا الكلام ولكن لا حجة عليهم قبل الرسول بدليل هاتين الآيتين فلم يكونوا مستحقين للعذاب لأن الاستحقاق إنما يتحقق بعد إلزام الحجة وأما قبله فعندكم ظلم وهو ممتنع وعندنا جائز إذ لا قبح منه تعالى لأنه تصرف في ملكه لكنه غير واقع.

أقول: ليس في هذا الكلام إلا تكرير الدعوى الباطلة بأن المعتزلة ومن يجري مجراهم يقولون بأنهم بعقولهم في غنية عن الشرع وأنها مستقلة بإدراك جميع الأحكام وينطوي تحته تلك الدعوى الباطلة أيضا أي دعواهم أن الثواب والعقاب آجلا من ماهية المعنى المتنازع في الحسن والقبح وكلتاهما افتراء وبهت، ومع ذلك فقد أكذب المعترض نفسه بنفسه سابقا ولاحقا حيث قال: إن إرسال الرسل من جملة التنبيه والإيقاظ من رقدة الغفلة، وأما لاحقا فلأنه اعترف بما يكذب الدعوى الثانية حيث قال: إن من لا معرفة له بربه كيف يحصل له العلم باستحقاق العذاب بل قال آخرا: إن حصول العلم مع عدم معرفة الرب محال، وهو حق لا نزاع لأحد من الناس فيه، فكيف يزعم أن المعتزلة علمته وهذا يقتضي أنهم علموا مقتضى الوعد والوعيد والجنة والنار وما يستلزم ذلك قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب، إنا لله وإنا إليه راجعون.

Sayfa 1310