الْمُوَافَقَةُ (١» (٢)، وَتَزُولَ الْمُخَالَفَةُ، فَنَزَلَ إِلَيْهَا مَنْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِ التَّقِيَّةِ، رَيْثَمَا يَتَنَفَّسُ (٣) مِنْ كَرْبِهِ، ويَتَرَوَّحُ (٤) مِنْ خِنَاقِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَهَذِهِ غربة أيضًا ظاهرة.
وإنما كان هذا كله (٥) جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَوَاقِعِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ هُوَ الْحَقُّ ضِدَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، فَلَوْ عَلِمُوا لَحَصَلَ الْوِفَاقُ، وَلَمْ يُسْمَعِ (٦) الْخِلَافُ (٧)، وَلَكِنَّ سَابِقَ الْقَدَرِ حتَّم عَلَى الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ (٨)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٩).
ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَزِيدُ (١٠) الْإِسْلَامِ، وَاسْتَقَامَ طَرِيقُهُ عَلَى (١١) مُدَّةِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ (١٢) بَعْدِ مَوْتِهِ، وَأَكْثَرِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمْ، إِلَى أَنْ نَبَغَتْ فِيهِمْ نَوَابِغُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ، وَأَصْغَوْا (١٣) إِلَى الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ: كَبِدْعَةِ القدر (١٤)،
(١) في (غ) و(ر): "المؤالفة".
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، وقد أثبت في هامشها.
(٣) في (ر): "يتمقس".
(٤) الروح بالفتح من الاستراحة، وكذا الراحة. الصحاح (١/ ٣٦٨).
(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ط) و(ت).
(٦) في (غ) و(ر): "يسع".
(٧) لا يلزم من علمهم حصول الوفاق، فقد علموا الحق، وقامت عليهم الحجّة، وإنما ضلّوا باتباع الهوى، والإعراض عن الحق.
(٨) وليس لهم في سابق القدر حجة، فقد جعل الله لهم قدرة واختيارًا، وحجب عنهم العلم بما قدّر.
(٩) سورة هود، آية (١١٨ - ١١٩)، وسيذكر المؤلف الآية وتفسيرها في بداية الباب التاسع (٢/ ١٦٥) من طبعة كتابنا هذا.
(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): "تزيد".
(١١) (١٢) ساقطة من (غ) و(ر).
(١٣) في (غ) و(ر): "والصغو".
(١٤) في (غ) و(ر): "القدرية" وهي القول بإنكار القدر، وأن الأمر أنف، وأوّل من قال بهذه البدعة معبد الجهني المقتول في بدعته سنة ٨٠هـ، وذلك في آخر زمن الصحابة، وقد تبرّأ الصحابة من مذهبه كابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وقد تبعه على بدعته غيلان الدمشقي الذي قتله هشام بن عبد الملك، والمعتزلة تنفي القدر إلاّ قليل منهم، وكذلك تسمى الجبرية المحتجّون بالقدر (قدرية): أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص١٤)، صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١٥٠).=