Ibn Hazm: His Life, Era, Views, and Jurisprudence
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Yayıncı
دار الفكر العربي
Yayın Yeri
القاهرة
على الله رزقه)) وهذا كله مبنى على ما أجمعوا عليه. وهو الحق. فمن عرف الشىء المحرم بعينه فإنه لا يحل له)) (١).
٦٦ - سقنا هذا الكلام مع طوله ، لأنه يعطينا صورة عن روح العصر الذي كان يعيش فيه ابن حزم من حيث نظرة الناس فيه إلى العلماء، واختلاف العلماء فيه في الأخذ من مال السلطان؛ فأما الناس فمنهم كما يقول ابن عبد البر - صديق ابن حزم الذي كان يبثه نفسه -: من يتناولون المحرمات، ويبيعون العلماء بالشبهات بل بالمباحات، وإن ذلك شأن العصاة في أكثر الأحوال، يعيبون الأتقياء بإثارة الشبهات حولهم ليبرروا معاصيهم أمام أنفسهم، إن كان لهم بقية من وجدان، أو أمام الناس إن لم يكن عندهم بقية من حياء.
وأما العلماء فمنهم من بلغ به الورع حداً حرم فيه المباح على نفسه، أو على الأقل ما فيه شك، فهو بدل أن يختار طريق إمام دار الهجرة وشيخ المحدثين مالك الذي كان يقبل عطايا الخلفاء يختار طريق إمام الأثر أحمد ابن حنبل الذي حرم على نفسه مال أولى الأمر من غير تمرد أو عصيان. وابن حزم لم يكن من الفريقين؛ لأنه استغنى عن مال السلطان، فلم يأخذه لا لأنه زاهد فيه أو يعتقد أنه حرام، بل لم يأخذه، لأنه لم يحتج إليه.
ولعل ذلك الاستغناء كان سبباً من أسباب الاستعلاء والتسامي، فأثار ذلك حقد الأمراء والعلماء معاً.
وفي الحق إن ابن حزم كرمه الله، فأعطاه نفساً أبية تعف عن الدناءة، وسلح تلك النفس في إبائها بالمال موفوراً، أو على قدر كفاية مثله فلم ترمضه حاجة الفقر، وأعطاه الله تعالى خلقاً قوياً جعله ينطق بالحق؛ لا يماري فيه، ولا يجاري أحداً في قول من غير إيمان؛ وأعطاه سبحانه وتعالى فكراً حراً، يفكر في كتاب الله وسنة رسوله غير مأسور بفكرة قالها غيره، أو جامد على مذهب من المذاهب.
(١) نفح الطيب الجزء الثاني طبع الأزهر
57