Yeni Dünyada Düşünce Hayatı
حياة الفكر في العالم الجديد
Türler
25
فكان بهذا المحصول الفلسفي من قادة الحركات المعاصرة في الفلسفة، التي يغلب عليها الاتجاه الواقعي بصفة عامة، على اختلاف التفريعات التي ذهب إليها مختلف الفلاسفة، لكن هنالك مميزا فريدا يطبع «وايتهد» دون سائر الواقعيين على اختلافهم، وذلك أن الكثرة الغالبة من هؤلاء قد اتخذت الواقعية مذهبا بعد أن غاصت إلى آذانها في دراسة الفلسفة المثالية التي كان لها السيادة في أواخر القرن التاسع عشر، في إنجلترا وفي أمريكا على السواء، فجاء اتخاذهم للواقعية مشوبا بروح التعصب ضد المثالية، شأن المرتد من عقيدة قديمة إلى أخرى جديدة، فتراه يسرف في مناصرة هذه العقيدة الجديدة إسرافا يميل به إلى غض النظر عن كل ما في العقيدة القديمة من حسنات، كأنما يخشى أن يعود إلى خطيئة الماضي، فيدرأ عن نفسه هذا الخطر بمضاعفة جهاده في سبيل الرأي الجديد، ومن أجل هذا تلمس في مؤلفات الواقعيين المعاصرين كثيرا من التزمت في واقعيتهم، فهم أشد اهتماما بعدائهم للمثالية منهم بالتماس الحق لذاته فيما يكتبون، أما «وايتهد» فقد دخل ميدان الفلسفة عن طريق الرياضة والعلم الطبيعي، فلم يكن به حاجة إلى تزمت أو تعصب، ولذلك تراه يسترسل وراء فكرته التي يحللها، لا يعبأ إلى أي نهاية يسوقه البحث، فلتكن نهايته واقعية خالصة أو ممزوجة ببعض العناصر المثالية أو كائنة ما تكون؛ لأنه لا يقصد إلى نتيجة بعينها، بل ينشد الحق كما يراه.
26
وأول ما نذكره عن رأيه في الطبيعة هو أنه يجعل حقيقة الشيء في طريقة تركيبه لا في المضمون الذي يملأ ذلك التركيب، فمثلا حقيقة الهرم - والمثل من عندي - ليست في صخوره التي بني منها، بل في إطاره أو في صورته أو في هيكله؛ لأنه يظل هرما إذا أقمناه من خشب أو حديد أو أية مادة أخرى ما دامت طريقة التركيب أو هيكل البناء لم يتغير، غير أن «التركيبات» التي هي الأشياء التي تتألف منها الطبيعة ليست دائمة على حال واحدة، بل هي في تغير دائم وحركة دائبة، بحيث يصبح ذلك التغير أو هذه الحركة جزءا من طبيعتها، ولو حللنا هذه «التركيبات» إلى عناصرها الأولية، وجدناها مؤلفة مما يسميه «وايتهد» «بالحوادث» أو «العوابر»،
27
و«الحوادث» - كما هي مستعملة في الفلسفة المعاصرة - معناها سلسلة الحالات التي تكون تاريخ الشيء، فهذه المنضدة - مثلا - لا تنفك باعثة إلى مشاهديها لمعات مختلفات من الضوء وأشكالا مختلفة لسطحها وهكذا، ومن مجموع هذه الحالات التي يراها عليها مشاهدوها في لحظات الزمن المتتابعات، أو بعبارة أخرى، من مجموع هذه «الحوادث» تتألف حقيقة المنضدة في الواقع، وفي هذا التحليل يتفق «وايتهد» مع كثير من زملائه الواقعيين، لكنه يتفرد دونهم بقوله إنه وإن يكن تحليل الشيء ينتهي بنا إلى مجموعة من «حوادث» إلا أن هذه المجموعة نفسها لا تكون هي الشيء الذي نحلله إلا إذا ظلت محتفظة بهيئة معينة أو بتركيبة معينة، أي إن تحليل الكل إلى أجزائه ووحداته وإن كشف لنا عن مقومات ذلك الكل، إلا أنه يبطله ويفسده ويغير من حقيقته؛ لأن الكل ليس مجرد كومة من وحدات، بل هو هذه الوحدات حين تكون على تركيب خاص، وهذا التركيب الذي يكون عليه الشيء هو حقيقته وجوهره.
من ذلك نفهم لماذا سميت فلسفة «وايتهد» بفلسفة البناء العضوي؛ لأن كل شيء وكل موقف وكل واقعة هي في حقيقتها بناء ذو هيكل معين، ولو تغير هيكلها ذاك لتغيرت شيئا آخر، حتى وإن بقي لها كل مقوماتها كما كانت؛ فالأمر في كل شيء كالأمر في الكائن العضوي، ليس هو مجرد كومة من خلايا أو مجموعة من أعضاء، بل هو فوق هذا «تركيبة» خاصة تنتظم هذه الأجزاء وتجعل بينها علاقات معينة، فالوجود كله كائن عضوي، وكل شيء فيه كذلك كائن عضوي بهذا المعنى الذي أسلفناه، ذلك أن الوجود مؤلف من «كائنات فعلية»،
28
كل منها له وضعه الخاص في مجموعة الكائنات، بحيث يتكون من ترتيب هذه الكائنات في أوضاعها المعينة لها بناء عضوي، ويعبر «وايتهد» عن المعنى نفسه بلغته الاصطلاحية، فيقول: إن كل شيء في الكون هو «مجتمع»، وإذن فالكون مجموعة «مجتمعات»، «وليس المجتمع مجرد مجموعة من كائنات نطلق عليها اسما يدل على فئتها»،
29
Bilinmeyen sayfa