Felsefi Hasat
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
Türler
لقد شهد العصر الحديث مفكرين كبيرين قدما تحليلا وافيا لتدهور الحضارة الغربية والإنسان الحديث، هما نيتشه وروسو، فعبرا عن أكبر تيارين نقديين للحضارة التي أنتجها العصر الحديث. إن أفكارهما ما زالت تخضع لتفسيرات متنوعة، كما أن كليهما قد وضع مشكلة التاريخ والإنسان في نطاق أوسع وهو مشكلة الحضارة. لقد قدما تحليلا سيكولوجيا لإنسان الزمن الحاضر، وبحثا عن العلل التاريخية التي أصابته - في رأيهما - بالاضطراب العصبي. وعلى الرغم من هجوم نيتشه على روسو، إلا أن هذا الأخير لعب دورا هاما في تفكير نيتشه السياسي، هذا برغم المحاولات العديدة لنزع الصفة السياسية عن فلسفة نيتشه، وحصرها في مجال الأخلاق فحسب. اهتم كلا الفيلسوفين بانحلال الحضارة الإنسانية، واتفقا في نقدهما للثقافة الحديثة المتدهورة. وقدم كلاهما تاريخ التطور الأخلاقي والسياسي للإنسان، وبحثا في أصول المجتمع البشري، كما فسرا مصير الإنسان من خلال الطبيعة المتناقضة للحياة السياسية والأخلاقية في العصر الحديث. وإذا كان كل من نيتشه وروسو قد سعى إلى تحويل الطبيعة البشرية في سياق حضارة متدهورة، فإن ما يفرق بينهما هو تفسير كل منهما لمشكلة التدهور التي يمكن رؤيتها في مفاهيمهما المتعارضة لكيفية وصول إنسانية المستقبل إلى ذروتها.
كان نيتشه على وعي بأن التأثير الهائل لروسو على الثقافة والفلسفة الألمانية مشابه تماما لتأثير الثورة الكوبرنيقية على كانط في فلسفته المعرفية والأخلاقية. وربما يعود هذا إلى أن روسو في رأي البعض هو «أول مفكر يبين تناقضات الحياة السياسية الحديثة «بين الفرد والمجتمع، الإنسان والمواطن، الاستقلال والتسلط، الحرية والضرورة ... إلخ» والتفكير في التناقضات هو الموضوع الرئيسي في الفلسفة الألمانية منذ كانط»،
45
لذلك كان لفكر روسو السياسي تأثير كبير على الفلسفة الألمانية، وبخاصة على كانط وهيجل وماركس، حيث فسره البعض بأن ليبرالي، وفسره البعض الآخر بأنه شمولي. وقد سمحت تعارضات ومفارقات فكر روسو بهذه التفسيرات المتنوعة، خاصة في العلاقة بين الفرد والمجتمع، عندما أقر في كتابه «أصول التفاوت الاجتماعي» (عام 1755م) بحقوق الفرد، ثم عاد في العقد الاجتماعي (عام 1762م)، وأخضع كل هذه الحقوق للدولة. وكان نيتشه على وعي أيضا بالدور الذي أداه روسو في تشكيل الحداثة، وكيف ألهمت كتاباته الثورة الفرنسية. وعلى الرغم من معارضة نيتشه لروسو، إلا أن من الممكن أن نعتبر هذا الأخير هو مفتاح فلسفة نيتشه - كخصم له - في تفسير الحداثة، حتى لقد ذهب البعض إلى القول بأن نيتشه كناقد للحضارة الغربية في القرن التاسع عشر يمثل ما كان يمثله روسو في القرن الثامن عشر في نقده النافذ لتلك الحضارة. لقد أثار كلاهما التفكير في العديد من القضايا والأسئلة المتعلقة بقيمة الحضارة التي ما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. فما أثاره روسو عن آثار الحضارة الصناعية لم يفقد معناه في عصرنا الإيكولوجي الآن، بينما تشخيص نيتشه للعدمية وانقلاب القيم والحالة المتدهورة للحضارة الإنسانية ما يزال - ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين - كابوسا لم نستيقظ منه بعد.
تعرضت أفكار كل من نيتشه وروسو لقراءة سياسية وأخلاقية مزدوجة، فقد اتهم كل منهما بأن له نزعة فردية أخلاقية، كما كان لأفكارهما صدى لدى بعض النظم الشمولية في القرن العشرين، عندما ربط البعض فكر روسو بالأحداث الدامية والمفزعة للثورة الفرنسية، وربط البعض الآخر فكر نيتشه بالمحاولة النازية للسيطرة على العالم، ثم الأحداث الدامية للحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من إعلان نيتشه أنه ضد روسو، وأنه تحدى نزعته الرومانسية وتشاؤمه التاريخي، إلا أن هناك أوجه تشابه بينهما، كما أن هناك أيضا مسافة تفصل بينهما واختلافات في توجهاتهما.
لقد اختزل روسو مشكلة الحضارة في مشكلة الأصالة، أي البحث عما هو أصيل، وما هو صناعي في طبيعة الإنسان، وحصر المشكلة في التنظيمات الاجتماعية الفاسدة التي تقف في طريق طبيعتنا الأخلاقية الحقيقية، فبحث عن الطبيعة الخيرة للإنسان التي لم تعد موجودة، وربما لم توجد أبدا بعد أن أفسدها التطور التاريخي للبشرية. بينما المشكلة بالنسبة لنيتشه هي في الحقيقة مشكلة التاريخ وطبيعة الزمن، بحيث تكمن مشكلة الحضارة الإنسانية لديه في إخفاقها في تأسيس علاقة أصيلة بالماضي. فالإنسان لا يمكنه وقف صيرورة الزمن، ولكنه يشاهد فقط هذه الصيرورة دون أن يشارك فيها ليرى نفسه في النهاية وقد أصبح ضحية الزمن مما يؤدي به إلى النقمة على الحياة، ومحاولة الانتقام منها. وبما أنه ليس بإمكاننا العودة إلى الوراء بسبب تعاقب الحياة وأنفسنا والآخرين - إذ ليس بإمكاننا وقف عجلة الزمن ولا تغيير ما قد حدث بالفعل - فإن المشكلة التي تواجهنا كبشر محددين بالوعي التاريخي هي كيف نقيم علاقة أصيلة مع الماضي، وذلك بأن نصبح تاريخيين، حتى ولو تحقق هذا عن طريق المفارقة التاريخية - التي تحدثنا عنها من قبل - أي بأن نتعلم أيضا كيف نصبح لا تاريخيين.
هذه المفارقة التاريخية نجدها أيضا عند روسو - وإن كانت بشكل آخر مختلف - فإذا كان البعض يطلق على روسو وصف «نبي التاريخ»، فإنه لم يجد في التاريخ ما يفسر أو يحل له اللغز الغامض، وهو إصلاح ما فسد من الأخلاق، لا يمكن العودة إلى البراءة الطبيعية الأولى، إلى العصر الذهبي، ولهذا السبب لا يمكننا استحضار الماضي، فليس أمامنا إذن سوى المستقبل الذي يكمن فيه الأمل في الإصلاح، بل إنه الفرصة الوحيدة لتحقيق السعادة الإنسانية الحقيقية والعدل والمساواة والانسجام في العلاقات الاجتماعية، ولكن قانون التطور الذي بين أنه لا عودة بالزمن إلى الوراء، قد بين أيضا أن المستقبل قد حطم القيم الإنسانية. وهكذا وجد روسو نفسه في مصيدة الزمن! فسخط على الحضارة التي أثمرتها الصيرورة الزمنية، وأصبح عدوا للزمن الذي لا يمثل بالنسبة له سوى التغير والانحدار والتدهور، ومن ثم يئس روسو تماما من التاريخ، ونقم على كل ما يأتي به التطور التاريخي الذي حطم بساطة الإنسان وسعادته وشفافيته. وسواء كان روسو على وعي بما يواجهه تفكيره من مشكلة الحضارة أم على غير وعي، فإن تفكيره كان مصحوبا بيأس عميق. لقد وضع روسو نفسه - ووضعنا معه - في مواجهة مع الطبيعة من جانب والمجتمع المدني من جانب آخر.
أما عن نيتشه فقد وضع مشكلة الحضارة لا في داخل الحضارة نفسها، بل في الأخلاق. وإذا كان روسو يرى أن الحضارة الحديثة لم تجلب معها غير الشر، فإن نيتشه أحال المشكلة إلى إعادة تقييم ما نسميه بالخير والشر، أي إعادة تقييم كل القيم. إن مسألة الحضارة لا تتوقف في رأيه على الخيرية الطبيعية للإنسان التي أفسدتها أمراض المجتمع الحديث، وليست في إصلاح أصول الأخلاق الإنسانية، بل هي في إعادة تقييم تلك الأخلاق إلى حد تجاوزها لنفسها. وحقيقة الأمر أن المشكلة في إطارها الأوسع هي مشكلة التاريخ، وهي الفكرة المهيمنة على كل فلسفة نيتشه، والتي تعبر في أعماقها عن القلق على مصير الإنسانية، بحيث يصبح التجاوز الذاتي للأخلاق هو في الحقيقة التغلب على مشكلة التاريخ والميتافيزيقا والحضارة والتراث.
46 (2-2) أصول المجتمع البشري بين نيتشه وروسو
لم يتفق نيتشه وروسو في نقدهما للحضارة الغربية فحسب، وإنما اتفقا أيضا في تأكيدهما أن أصول المجتمع البشري تكمن في أن الإنسان كائن تاريخي، وإن كانا قد اختلفا في النتائج التي توصلا إليها في بحثهما في هذه الأصول. وليست فكرة البحث عن الأصول غريبة عن تاريخ الفلسفة، ولكن «السمة غير المألوفة لجينالوجيا نيتشه في بحثه عن الأصول تفترض أنه لا يوجد شيء في هذه الأصول، فبينما يبحث الآخرون لإيجاد شيء ما في نقائه الأصلي، شيء ما لم تفقده الثقافة ولا التاريخ بريقه، ينكر نيتشه فكرة البنية الأساسية التي وجدت في تاريخ الفلسفة بكل أشكالها (الجوهر - الذات - الروح - الشيء في ذاته) وإذن فلا يوجد ما يسمى بالأخلاق الطبيعية. لقد بحث كل من نيتشه وروسو عن أصول النظام الاجتماعي ومشكلة الحضارة، وعلى الرغم من بدايتهما من فرضيات متشابهة أهمها أن الإنسان كائن تاريخي، فقد توصل كل منهما إلى نتائج متباينة. انتقد نيتشه مبدأ الخيرية الأصلية لطبيعة الإنسان التي تغنى بها روسو، ووصفه بأنه مبدأ مضلل، فليست التنظيمات الاجتماعية الفاسدة هي التي دمرت هذه الطبيعة الخيرة، وعندما تسقط تلك التنظيمات أو عندما يتم إصلاحها، فلن تظهر من جديد تلك الطبيعة الخيرة المختفية أو المكبوتة. إن هذه الطريقة في البحث عن الأصول - في رأي نيتشه - تمثل بحثا مضللا لمعرفة أنفسنا، بل إن النزعة الأخلاقية الطبيعية والإيمان بالخيرية الطبيعية عند روسو هي التي منعته من إيجاد حل للغز مشكلة الحضارة التي عبر عنها بلغة متشائمة.»
Bilinmeyen sayfa