Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
" أن بعض الصحابة صارع جنيا فرد عليه مالك قائلا هكذا فقال إنى من بينهم ضليع، أى حسن وهو مؤمن لا يكذب، فأقر الصحابى على ما رآه عليه، وبين له أنى مع ما رأيت من خلقتى حسن من بين أبى، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنى فقال " كنت أريد أن أربطه على سارية فى المسجد لتروه، فتذكرت قول سليمان { رب هب لى ملكا } الآية فأطلقته " "
فنص على إمكان رؤيته، بل قال الكرخى ما حاصله إن الحق جواز رؤيتهم على أصل خلقتهم، فتكون الآية مخصوصة بالأحاديث، وقد ألفت فى ذلك رسالة.
وأما قوله عز وجل { لا ترونهم } فمعناه أنكم لا ترونهم فى الجملة كما سيرى كل واحد منا الآخر فى أى وقت شاء، فلا ينافى رؤيتهم فى بعض الأوقات لأفراد من الناس، ولله در البيضاوى إذ قال إنهم لا يرون فى الجملة احترازا عما ثبت أنهم قد يرون رؤية شاذة، يراهم قليل من الناس، والقلة نسبية، وليس مراده بالجملة الإشارة إلى رؤيتهم بالتخييل كما قيل، لأنه غير ظاهر من العبارة بلفظ الجملة، وقد رآهم سيدنا محمد وسيدنا سليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، ومن غير الأنبياء من الصحابة وغيرهم، ومن أصحابنا وغيرهم ممن لو استقصيت ذكر قصص رؤيتهم لم تف به عشر كراريس، وقبضوا عليهم والأصل فى ذلك كله الحمل على الحقيقة وبالذات لا بالتمثيل والتخييل، ولكن قبل إظهارهم أنفسهم فى استطاعتهم، وقيل لا. وكذلك المراد عدم رؤيتهم فى الجملة فيما ذكر مجاهد أن إبليس قال جعل لنا أربعة نرى ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى، وفيما ذكر ابن عباس أنهم يروننا ولا نراهم، ويجرون من ابن آدم مجرى الدم، وجعل قلب ابن آدم مسكنا لهم إلا من عصمه الله، وزعم الزجاج أن حيث اسم موصول بالجملة بعدها، وليست الجملة مضافا إليها، ويرده أنه لا رابط والجملة مضاف إليها. { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } أعوانا لهم فى الغى بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، ولم نكفهم عنهم، فكان بينهم اتصال فى المعصية والكفر، وهذا تحذير أبلغ من الأول، والمراد أنهم أولياء لهم بما وجدنا بينهم من التناسب، وقوله { يا بنى آدم لا يفتننكم } إلى { لا يؤمنون } مقصود قصة آدم، وفذلكة الحكاية كأنه قيل فذلك موجوب أن تحذروا فتنته، وأن تكونوا أولياء.
[7.28]
{ وإذا فعلوا فاحشة } ما تبلغ من الذنوب فى القبح كعبادة الصنم، وكشف العورة فى الطواف وغيرها ونهوا عنها { قالوا وجدنا عليها آباءنا } فاقتدينا بهم، وهذا جواب بالتقليد، أعرض الله سبحانه عنه، ولم يجب عنه لطرور فساده عقلا من غير نظر إلى شرع، فإن التقليد ليس بطريق للعلم. { والله أمرنا بها } هذا جواب بالافتراء على الله أجاب عنه بقوله { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } لاستحالة فعل القبيح عنه، لعدم الداعى وتنزه ذاته، ولجريان عادته على الأمر بمجلس الأفعال، والحث على مكارم الخصال، فكيف يأمر بفعل القبيح، والأمر كالفاعل. وعن ابن عباس ومجاهد الفاحشة طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء، وروى أنهم يطوفون بالنهار عراة، ويطفن بالليل عاريات، فقال عطاء الفاحشة الشرك، ويأمر منزل منزلة اللازم، أى لا يمكن منه الأمر بها، أو مفعوله حذف للتعميم، أى لا يأمر أحد إلا إياكم ولا آباءكم ولا غيرهم، وقد قيل إن قوله { والله أمرنا بها } جواب لسؤال مقدر محكى فى الآية، أى وإذ قيل لهم من أين أخذ آباؤكم؟ قالوا آباؤنا الله أمرنا بها، وهذا أيضا تقليد ممتنع لقيام الدليل على خلافه. ولا دليل فى الآية على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذنب عليه فى الأجل عقلى، لأن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم، وبه يحكم العقل عند غير المنزلة لا ما هو مذموم للعقل فى حكم الله تعالى ، وبهذا يحكم العقل عند المعتزلة، ويحتمل أن يكون قولهم { والله أمرنا بها } لم يقصدوا به كذبا، بل اعتقدوا أن الله لو كره ما فعلوه لنقلهم عنه، وإذ لم ينقلهم عنه فهو راض به. ويدل له ما روى عن الحسن أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله، بل قال تصديق ذلك قوله عز وجل { وإذا فعلوا فاحشة } الآية والآية منقطعة عما قبلها، ويجوز دخولها فى صفات الذين لا يؤمنون المذكورين قبلها، قيل ليقع التوبيخ بصفة قوم جعلوا مثالا للموبخين، إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم. { أتقولون } هذا توبيخ، ومن قال أنكر فمراده إنكار أن يكون ما يقولون حقا أو إنكار أن يصح لهم أن يقولوه { على الله ما لا تعلمون } صحته، فإنه لم يأتكم به ملك أو نبى من الله، كيف وقد أنكرتم النبوة ولا تقدرون على الاستماع من الملك وكذا آباءكم.
[7.29]
{ قل } يا محمد { أمر ربى بالقسط } بالعدل والحق لا بالفحشاء كما قال مجاهد والسدى، وقال ابن عباس بلا إله إلا الله محمد رسول الله، ما جاء به حق { وأقيموا وجوهكم } اقصدوا عبادته مستقيمين إليها عن غيرها، وعبر بذلك لأن عبادة غيره كاعوجاج الوجه إلى جنب، وشمل ذلك توجيه الوجه للقبلة، فإنه من العبادة، وقد قيل إن المراد أقيموا وجوهكم نحو القبلة، وبه قال مجاهد والسدى، والمراد شرع الكعبة قبلة، وقال الربيع بن خيثم المراد الأمر بإحضار النية لله. { عند كل مسجد } موضع سجود، وكائنا ما كان، قال مجاهد والسدى وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم فى الصلاة إلى الكعبة، وقال الضحاك إذا أحضرت الصلاة وأنتم فى مسجد فصلوا فيه ولا تؤخروها إلى مساجدكم، وكانوا يقولون أصلى فى مسجدى أو فى مسجد قومى. قال قوم سبب نزول ذلك قوم يقولون ذلك، وأجيز أن يكون مسجد اسم زمان، أى عند كل وقت سجود، وأن يكون مصدرا أى عند كل سجود أى صلاة، والجملة من مقول القول المذكور كأنه قال قل لهم أمر ربى بالقسط، وقل أقيموا وجوهكم الخ، وعطف الطلب على الخبر والعكس جائزان قطعا فى الحكاية، ولا ينبغى لأحد منع ذلك فيها، تقول قال زيد جاء بكر وأكرمه يا خالد، كأنك قلت قال زيد جاء بكر وقال أكرمه يا خالد، وأيضا الجملة المحكية مفرد فلا حاجة إلى تحرج بعض عن ذلك بعطف أقيموا على معنى أمر ربى بالقسط، وهو اقسطوا فالعطف عليه باعتبار معناه. { وادعوه } وحدوه أو اطلبوه، أو اعبدوه { مخلصين له الدين } العبادة والطلب، وكان كل قوم سوى المسلمين إذا صلوا أشركوا بالله { كما بدأكم تعودون } ترجعون للجزاء بعد الموت، كما أنشأكم أولا ولم تكونوا، وذلك رد على منكر البعث كما قال الحسن ومجاهد وابن عباس وقتادة، هذا ما يظهر لى، وقيل " كما بدأكم حفاة عراة غرلا لا تعودون " وقيل " كما بدأكم من تراب تعودون إليه " والوقف على تعدون، ويدل له ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما
" قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة عزلا أى بلا سلاح، أو غرلا أى غير مختونين كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ".
وقال أبو العالية، ومحمد بن كعب، وابن جبير، والسدى، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد فى رواية عنهما كما خلقكم فى الدنيا مؤمنا وكافرا تعودون يوم القيامة مؤمنا وكافرا، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم
" يبعث كل على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والكافر على كفره "
Bilinmeyen sayfa