Georg Büchner: Tam Oyunları
جورج بشنر: الأعمال المسرحية الكاملة
Türler
والسطور التي يقولها بشنر على لسان دانتون أيضا عن الموسيقيين المساكين وعن صرخة الموت الإلهية التي تعزف على أجسامهم، لكي تصعد إلى آذان السماء وتخمد شيئا فشيئا لتموت هناك؛ ليست كذلك إلا تعبيرا عن هذا الإحساس بالعذاب المقدور. وبشنر يردد هذه الفكرة نفسها في إحدى رسائله إلى خطيبته (وقد كتبها من مدينة جيسن في شهر مارس سنة 1834م): «آه، نحن الموسيقيون المساكين الذين نرفع أصواتنا بالصراخ! ألا نئن وننشج على آلات تعذيبنا إلا لكي ينفذ النشيج من شقوق السحب، ويظل يتردد كالنغمة الهامسة حتى يموت في آذان السماء؟ إنني لا أجدف، ولكن الناس هم الذين يجدفون، ومع ذلك أراني وقد لقيت جزائي؛ فأنا أخاف من صوتي، وأخاف من مرآتي.» إنه يريد أن يكشف عن جوهر هذا الإنسان، ويصل إلى حقيقته المطموسة وراء الأقنعة والأشكال والتقاليد.
وكما حطم الشكل المسرحي التقليدي في كتاباته، ولجأ إلى ما يسمى الآن بالشكل الدرامي المفتوح والمشاهد الملحمية المستقلة كأنها الوحدات الفردة (المونادات) التي تحدث عنه ليبنتز، وملأ لغته بالنغم والإيقاع والصور الشعرية الحية والجمل المتقطعة اللاهثة والإيماءات الصامتة والحركات والإشارات والأغاني الشعبية متأثرا في ذلك بعض التأثر بشكسبير وجوته ولنس وشيلر؛ فقد أراد كذلك أن يحرر الإنسان بقسوة من كل القوالب والأشكال المفروضة عليه؛ ليصل إلى الإنسان الخالص في عريه وبؤسه وبراءته. هناك يستطيع أن يحب ذلك الإنسان لأنه يتعذب، ويقترب منه لأنه أخوه وشريكه في المصير المحتوم، ويلعن معه كل النظريات المجردة والقوالب الجامدة والتقاليد البالية التي وضعوه فيها كما وضع أوزيريس في التابوت، فحرموه من السعادة باللحظة الحاضرة، وأطفئوا الشرارة المضيئة التي أودعها الخالق فيه، وهناك أيضا سيلعن الأرستقراطية التي هي «أبشع احتقار مخز للروح المقدس في الإنسان»، ويسخر من ذلك الركام الميت الذي يسمى بالعلم، والغرور الكاذب الذي يدعى بالبطولة، والغنى الفاحش الذي يذل الناس ويجيع الأطفال. إن ما يحزنه أو يضحكه في آن واحد كما يقول في إحدى رسائله إلى أسرته (بتاريخ فبراير 1834م)، ليس هو حالة الإنسان، بل مجرد أنه إنسان، وهو أمر لا حيلة له فيه، وهذا هو الذي يجعله يضحك أو يبكي؛ لأنه إنسان مثله يشاركه نفس المصير؛ فهو يشعر أنه ينسحق تحت أقدام القدرية التاريخية المقيتة، كما يقول في خطاب آخر إلى خطيبته. ليس الفرد عنده إلا زبدا يطفو على الموج، وليست العظمة غير عرض زائل، ولا العبقرية سوى لعب بالدمى، وصراع مضحك مع قانون حديدي، أقصى ما يطمح إليه الإنسان أن يعرفه وإن كان من المستحيل عليه أن يتحكم فيه.
أهي العدمية إذن؟
إن الكلمة تتردد كثيرا في كتابات بشنر، ولكن من الخطأ أن نصفه بها أو نجعلها عنوانا على اتجاهه في الفن والحياة، بل إن من الخطأ والظلم أيضا أن نقيده بإحدى هذه المدارس الكثيرة التي نلغو بذكرها ليل نهار؛ ذلك أن بشنر، كما أشرت من قبل، هو الأب الحقيقي للمسرح الحديث بتياراته وأساليبه المختلفة، وهو كذلك بكفاحه الثوري في سبيل المظلومين والجائعين والمقهورين والمستغلين، أحد رواد الاشتراكية في بلاده، ولكننا لن نستطيع الاقتراب من قلبه حتى نتخلص من كل النعوت والأسماء التي تصف مسرحه بأنه واقعي أو طبيعي أو اشتراكي أو عدمي أو ملحمي أو غنائي أو شاعري ... إلخ. حقا إن مسرحه يجمع بين هذه الاتجاهات، ولكنه أكبر وأعمق وأشد تعقيدا من هذا كله. وإذا أردنا أن نعرف حقيقته فلا بد من السير على طريق المفارقة والتضاد، ولا بد من البحث عنها في عذاب الخليقة الغانية وومضة الحياة في كل كائن حي مهما صغر شأنه. •••
لا أحب أن أختم هذه المقدمة قبل أن أشير ببضع كلمات إلى ما سوف يلاحظه القارئ في لغة هذه المسرحية وشخصياتها؛ فهناك تعبيرات وتشبيهات لا بد أنها ستصدمه أو تفزعه، وفي بعض ألفاظها غلظة وقسوة وتلميح أو تصريح قد يستهجنه ويرفضه. وأنا لا أحاول تبريرها أو الاعتذار عنها؛ فالفن كما يعلم القارئ لا شأن له بالأخلاق، اللهم إلا في غايته الأخيرة وتأثيره النهائي غير المباشر، والفنان لا يكتب ليؤيد الفضيلة أو يحارب الرذيلة، ولكنني سأكتفي هنا بتكرار ما أشرت إليه مرارا في الهوامش والتعليقات على النص، من أن بشنر لا يقصد الألفاظ النابية أو التعبيرات الغليظة لذاتها، بل بقدر ما تصور الشخصيات وتعيد خلق العصر، وترسم لوحة تعبر في صدق عن تلك السنين المضطربة التي عاشتها فرنسا في ثورتها الإنسانية الكبرى. وقد لقيت المسرحية عند ظهورها في سنة 1835م في مدينة فرانكفورت (لدى الناشر زوارلندر) معارضة شديدة، وارتفعت أصوات تستنكر ما تصورته فيها من خروج أو إلحاد. أجاب بشنر على هذه الاحتجاجات في خطاب أرسله إلى أبويه في شهر يوليو من تلك السنة، وقال فيه إن الكاتب المسرحي في نظره ليس إلا مؤرخا وإن كان يتفوق على هذا في أنه يعيد خلق التاريخ، ويضعنا مباشرة في حياة العصر، ويقدم لنا بدل الأوصاف شخصيات حية. إن من أهم واجبات الكاتب المسرحي أن يقترب من واقع التاريخ ما أمكنه ذلك، بحيث لا تكون كتابته عنه أقل أو أكثر أخلاقية مما هو عليه في الحقيقة. ولم يخلق الله التاريخ لكي تتسلى الفتيات بقراءته؛ فإذا لام أحد الكاتب لاختياره هذه المادة أو تلك فلا بد عندئذ أن نلقي بأعظم نفائس الأدب في البحر.
ويواصل بشنر دفاعه عن مسرحيته ونظريته في الفن والكتابة في خطاب متأخر، فيقول إنه يرسم شخصياته بالطريقة التي يعتقد أنها تناسب الطبيعة والتاريخ، ويسخر بمن يحاولون أن يحملوه مسئولية اتفاقها مع قواعد الأخلاق أو خروجها عليها. وربما سارع القارئ باتهام المؤلف بالإنكار، وربما سخط على المشهد الأول من الفصل الثالث بوجه خاص، غير أنه يعلم بغير شك أن الآراء التي ترد على ألسنة الشخصيات المسرحية لا يتحتم أن تكون هي آراء المؤلف - ولا المترجم بالطبع! - كما أن إغفال هذا المشهد أو إسقاط بعض العبارات من نص عالمي معترف به في كل اللغات والآداب شيء لا يصح أن نقدم عليه؛ فإذا وجدنا أنه يخالف تقاليدنا أو عقيدتنا، أمكننا دائما أن نعلق عليه أو نبحث عن مبرراته، دون مساس بالنص الأصلي الذي ينبغي أن تكون له حرمته. ولست أدافع عن المؤلف إذا قلت إنني لم أجد في كل ما قرأت له أو عنه ما يشكك في عقيدته، بل لقد وجدت على العكس من ذلك أنه مؤمن صادق الإيمان، وأنه إذا كان يثور على الألم ويكفر بالعذاب الذي يقاسيه الإنسان في هذه الحياة وتقاسيه الخليقة معه، فلأنه يجد أن هذا الألم والعذاب هو الطريق الوحيد للوصول إلى الله. ولقد عبر كثيرا عن هذا المعنى في خطاباته إلى أبويه، كما قال قبل موته المفاجئ بيومين: «ليس لدينا الكثير من الآلام، بل إن ما لدينا منها جد قليل؛ لأننا لا نتصل بالله إلا عن طريق الألم.» كما قال أيضا فيما تشهد به كارولينه شولس، وهي السيدة الطيبة التي سجلت أخبار مرضه الأخير يوما بيوم: «نحن موت، وتراب، ورماد ، فكيف يجوز لنا أن نشكو؟» وليست القضية في نهاية الأمر قضية مؤلف أو مسرحية - مضى على صدورها أكثر من مائة وثلاثين عاما! - بل هي قضية تتصل بنظرتنا للفن، ووزنه بميزان الصدق والعمق، لا بميزان اللوائح والقوانين.
ملحوظة
رجعت في هذه الترجمة إلى النص الذي حققه ونشره فرتز برجمان في دار «أنزل» سنة 1958م، كما استفدت في كتابة المقدمة بالبحث الذي نشره الشاعر العالم فالتر هولرر
Walter Höllerer
عن موت دانتون في المجلد الثاني من كتاب «الدراما الألمانية»، الذي أشرف عليه ونشره العلامة بنوفون فيزه
Bilinmeyen sayfa