Georg Büchner: Tam Oyunları
جورج بشنر: الأعمال المسرحية الكاملة
Türler
ويأتي بعد ذلك مشهدان شهيران، هما مشهد الخلاء والحجرة بالليل. إن دانتون يتعذب بذكرى حوادث القتل المشهورة في شهر سبتمبر سنة 1792. ويزداد جو المسرحية اتساعا وقتامة، وتتردد فيه أصداء الخواطر المرتعشة المفزوعة، وينتهي الفصل الثاني كله باجتماع المجلس الوطني بعد القبض على دانتون، وبخطبة روبسبيير الرائعة المشهورة التي ستحدد مصير دانتون.
وندخل مع بداية الفصل الثالث إلى سجن اللوكسمبورج، في قاعة معتمة كالقبر مزدحمة بالمساجين، ولا نكاد نمضي قليلا مع أحاديثهم العدمية (التي نخطئ خطأ كبيرا لو تصورنا أنها تدعو إلى الإنكار أو التجديف؛ لأنها في حقيقتها تعبير عن يأس بشنر، لا عن إنكاره للذات الإلهية لعذاب المخلوقات وفنائها المحتوم) حتى يدخل الحراس دانتون ولاكروا وكاميل وفيليبو، ومن ناحية أخرى يعد زملاء روبسبيير لتنفيذ الحكم على دانتون. ولا نلبث أن نسمع دانتون في المشهد الرابع من هذا الفصل، وقد استعاد صوته المجلجل في قاعة المحكمة، غير أننا نعلم سلفا أن الأوان قد فات، وأن المؤامرة قد أحكمت خيوطها حول رقبته. إنه ينجح نجاحا مؤقتا (في المشهد التاسع) في كسب معظم الأصوات في صفه، غير أن هتاف الجماهير التي تميل مع كل ريح يخيب ذلك الأمل؛ فها هي ذي أصواتها تختم الفصل الثالث وهي تدوي كالرعد: يحيا روبسبيير! يسقط دانتون! يسقط الخائن!
لماذا فشلت الثورة الفرنسية؟
لا بد أن بشنر سأل نفسه هذا السؤال وهو يكتب مسرحيته، ولا بد أنه تأثر عند كتابتها بفشل الثورة التي شبت في بلاده للقضاء على ظلم الأرستقراطية والإقطاع، وانعدام الوعي الثوري عند الألمان في ذلك الحين، سواء عند الفلاحين البائسين أو المثقفين المدعين الذين كانوا لا يملون من الكلام عن الحرية والحقوق الإنسانية، بينما ألوف الأطفال يموتون من الجوع. ولقد تصور بشنر أن الثورة الفرنسية تحطمت نتيجة الصدام بين رأيين يمثلهما روبسبيير ودانتون؛ فالأول يعتقد أن الثورة لن تنجح حتى تقضي على جميع أعدائها، وتنشر حكم الرعب في كل مكان؛ والثاني يرى أن الشعب لن يشبع من الدماء، وأنه في حاجة إلى الطعام والملبس، لا إلى الرءوس المتساقطة. إن الثورة يجب أن تكف عن افتراس أبنائها ليعيش كل فرد حياته، ويستمتع بحاضره. أحدهما يريد أن ينشر حكم الرعب والقانون والمقصلة، والآخر يريد أن يوقف عربة الثورة أمام الماخور. وكان لا بد للثورة أن تضيع بين هذين البطلين المتطرفين، وتصبح لقمة سائغة في فم طاغية أناني مثل نابليون، وكان لا بد لبشنر أيضا أن ييئس من الثورة ويفقد إيمانه بمعنى التاريخ، فلم يكن هو ولا عصره قد أدركا مفهوم الثورة بمعناها العلمي، ولم يكن في استطاعتهما أن يعرفا أن الثورة لا بد أن تغير من ظروف الإنتاج، وتعيد توزيع الثروات، وتقضي على التناقض البشع بين الطبقات، وإلا بقيت صرخة عالية ممزقة في الهواء. •••
إن بشنر - وهو في هذا صادق مع نفسه الحساسة المتشائمة - لا يعتقد أن التاريخ يسير نحو هدف معلوم، ولا يرى - كما رأى الكلاسيكيون من قبله - أن يتطور تطورا عضويا مستمرا نحو آفاق حضارية أرقى وأوسع؛ فهو يرى الوقائع وحدها، ويجد أن هذه الوقائع تقول عكس ما تقول به نظريات الكلاسيكيين؛ ولذلك فإن مسرحيته لا تسير إلى هدف أو خاتمة، سواء كانت هذه الخاتمة نهاية سعيدة متخيلة، أو كارثة شاملة تحرر النفس وتطهرها.
إن الفصل الرابع والأخير لا يأتي معه بالنهاية المنتظرة؛ فهو لا يزيد على أن يكون أحد المشاهد العديدة التي رأيناها تدور مع أرجوحة الأحداث؛ فنحن نعرف أن موت دانتون لم يحسم شيئا، ولم ينقذ الثورة ولا الفضيلة، وأن روبسبيير لن يلبث بدوره أن يلقى نفس المصير، فيسقط رأسه مع دورة هذه الأرجوحة الأبدية. والمسرحية نفسها تقول هذا، على لسان كولو (في المشهد السادس من الفصل الثالث) حين يهتف بأن حمم الثورة تسيل، وبأنه إذا كان روبسبيير يريد أن يجعل من الثورة كرسي اعتراف، فعليه أن يرقد عليه لا أن يقف فوقه.
هو إذن حدث غير إنساني أو حدث يتخطى حدود الإنسانية، ويسير في طريقه دون أن يعبأ بعذاب الإنسان ودمه ولحمه ونبضات قلبه. إنه يجري الآن وسوف يتكرر على الدوام، ويمتزج فيه اليأس بالعجز بالطموح بالإرادة الطيبة، ويجتمع فيه الشك والمرارة التي عبر عنها دانتون حين قال: «نحن لا نعرف إلا القليل عن بعضنا البعض»، مع الصدق والبراءة التي أجابته بها جولي المحبة الوفية: «أنت تعرفني.» مثل هذه الخلجات تومض كالشرر تحت التراب، أو كأنوار الفنارة فوق بحر مظلم. إنها تثبت وجودها على الرغم من كل شيء، على الرغم من عجزها وضعفها بين الصيحات المدعية الغاضبة، والنظريات المجردة والشعارات المكررة التي تلبس مسوح القداسة، وأصوات الجماهير التي تندفع مع كل ريح وتميل بسذاجتها وضعف بصيرتها وغلبة الشهوات عليها مع كل مجداف. هذه الخلجات البسيطة شيء لا ينبغي أن نطمسه أو نخرسه. إنه أعظم ما في الإنسان وأصدق ما يدل على وجوده، ولو أخرسناه وطمسناه في سبيل النظريات والشعارات فماذا يبقى من الإنسان؟! وليس من قبيل الصدفة ألا يبدأ هذا الفصل الرابع بحدث سياسي، بل بمشهد بسيط ترسل فيه جولي ولدها إلى دانتون ومعه خصلة شعر؛ علامة على أنها ستموت معه: «اذهب! أعرف أنني رأيته لآخر مرة. قل له إنني لا أستطيع أن أراه وهو في هذه الحال. (تعطيه خصلة من الشعر) خذ. أعطه هذه الخصلة وقل له إنه لن يذهب وحده إلى هناك. إنه يفهم ما أريد.»
وبداية هذا الفصل ونهايته لا تربطهما صلة مباشرة بالأحداث السياسية الجارية، بل يصوران «الحدث الأكبر» الذي أشرت إليه في بداية هذا الكلام، وقلت إنه سيظل يجري ويتكرر ما بقي على الأرض إنسان. وتصل المسرحية إلى ذروتها في مشهد «الكونسييرجيري» الذي يصور ذلك الحدث الأكبر، كما يعبر عن وحدة الفرد وعن نجاحه في بعض اللحظات في أن يخرج من هذه الوحدة، ويتحسس في الظلام طريقه إلى قلب جاره. وقبل أن نصل إلى الذروة التي تحدثنا عنها، يقابلنا مشهد بين كاميل ولوسيل، يكاد أن يكون مشهدا سيرياليا (المشهد الرابع، الفصل الثالث): «لوسيل (تظهر على المسرح وتجلس على حجر تحت نافذة المساجين): كاميل! كاميل! (كاميل يظهر في النافذة) اسمع يا كاميل. أنت تضحكني بهذا الرداء الطويل الضخم، والقناع الحديدي على وجهك، ألا تستطيع أن تنحني؟ أين ذراعاك؟ أريد أن أصيدك يا عصفوري العزيز.»
وتنبض هذه الخلجات المؤثرة قبل أن نصل إلى الذروة التي أشرنا إليها قبل نهاية المشهد الخامس من الفصل الرابع؛ فها هم المساجين يشتركون في حديث واحد هو في حقيقته مونولوج طويل موزع على فيليبو ودانتون وهيرو وكاميل، يجأرن فيه بالشكوى من قوة غيبية مسيطرة. إنهم في الحقيقة لا يجدفون، ولكنهم في يأسهم يصرخون. ويدخل السجان ليقتادهم إلى العربة التي ستنقلهم إلى ساحة الإعدام، فيشعرون بأنهم قد اقتربوا من بعضهم البعض أكثر من أي وقت مضى. إن فيليبو يقول لأصحابه: «تصبحون على خير أصدقاء! فلنسحب اللحاف الكبير علينا ونحن مطمئنون، اللحاف الذي تتوقف تحته كل القلوب وتغمض كل العيون.»
ويعانق المساجين بعضهم البعض، ويتأبط هيرو ذراع زميله كاميل وهو يقول له: «افرح يا كاميل؛ فسوف تكون ليلتنا جميلة.» ثم ينتهي مشهد الإعدام بموت جولي الذي تؤكد به قربها من دانتون وبموت لوسيل الذي تثبت به وفاءها لكاميل.
Bilinmeyen sayfa