Rabbanî Açılımlar
الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية
Yayıncı
جمعية النشر والتأليف الأزهرية
Bölgeler
•Suudi Arabistan
İmparatorluklar & Dönemler
Osmanlılar
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذاكر من ذكره، المغدق سحائب النوال على من شكره، المانع شآبيب رحمته عمن كفره، المخصص بتقريبه من أقر بوحدانيته وألقى لأدلتها فكره، وأشكره على ما من به من النعم، وكفه من أكف النقم، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وذخرنا وملاذنا محمدًا عبده ورسوله، خير من نبأه، وأشرف من أرسله ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وعلى آله وصحبه، وتابعيه وحزبه، صلاةً وسلامًا دائمين دوام فيض المتواتر، متكاثرين تكاثر النعم التي عمت البادي والحاضر. "وبعد" فيقول فقير رحمة ربه، الهارب من سوء فعله وقبيح ذنبه، المتوسل بأشرف الأنبياء إليه أن يجعله من حزبه، ويمن عليه برضاه وقربه، محمد علي بن محمد علان، البكري الصديقي الشافعي، خادم الأحاديث النبوية، والآثار السنية، بمكة المشرفة البهية، غفر الله لهما ولسائر المسلمين، وكان لهما ولهم في كل وقت وحين، وتوفاه على الإسلام، وأدخلهم الجنة يوم القيامة آمين: أن الكتاب المسمى "بحلية الأبرار، وشعار الأخيار، في تلخيص الدعوات والأذكار" تأليف حبر الأمة وعالمها، وشيخ الشريعة وحاكمها، وناصر السنة النبوية، وقامع البدعة غير المرضية، محرر مذهب الشافعي الإمام ومذهب إشكال ما أشكل من الأحكام، المتفق على جلالته، وعلو رتبته وولايته، وارتقاء مكانته، "الشيخ محيي الدين أبي زكريا يحيى النواوي الشافعي" تغمده الله برحمته، وأنزله دار كرامته، وأعلى نزله
1 / 3
ببحبوح جنته، وأعاد عليّ وعلى أحبائي وعلى المسلمين من بركته، كتاب عظيم المقدار، سامي الفخار، ذكر مؤلفه بذلًا للنصيحة لا من باب الافتخار أنه لا يستغني عنه طالبو الآخرة الأخيار، وقال غيره من العلماء الذين عليهم المدار "بع الدار واشتر الأذكار" وقال غيره من السادة الخيار "ليس يذكر من لم يقرأ الأذكار" وهو كاف للمريد في حاله، وصل له إلى نهاية مطلوبه وغاية آماله، لاشتماله مع الأذكار، على حلية الأولياء وكثير من شعار الأخيار، ولذا علق عليه أهالي الصلاح، وشرب من سلسبيل زلاله أرباب الفلاح، ولم أر من كتب عليه ما يحتاجه الطالب، من كثير المطالب، من تفسير غريب زائد على ما أودعه المصنف فيه، وتبيين الراجح في مسائل يحتاج لتحرير حكمها الفقيه، وذكر أسرار بعض الأذكار، وتبيين ما انكمن من الجواهر في تلك البحار، فأحببت أن أجمع جانبًا من ذلك في هذا الكتاب، يكون على سبيل التقريب لذوي الألباب، سالمًا عن الإيجاز المخل، والإطناب الممل، رجاء عموم النفع به إن شاء الله تعالى لكل طالب، وإسعافه بأنواع المطالب، وقد اختصره غير واحد من العلماء الأعلام، فاختصره ابن رسلان والحجازي، وحافظ عصره الجلال السيوطي، وشيخ قطره بحرق الحضرمي، وغيرهم وأملى
عليه الحافظ النحرير، والإمام النافذ الحجة الحاكم الخبير، أمير المؤمنين في الحديث، المتفق على تقدمه في القديم والحديث "شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني" أمالي استخرج فيها أحاديثه، وبين مرتبة أحاديث الكتاب من صحة أو حسن أو ضعف أو اضطراب، ومات قبل إكمالها وأملى متممًا لذلك تلميذه الحافظ السخاوي، وتوفي قبل الإكمال أيضًا، ومجموع الأمالي في نحو ثلاث مجلدات، وهذا المعنى إنما ينتفع به ذو الشأن من المحدثين أصحاب المعرفة والإتقان لما فيه من بيان ما يتعلق بالمتن من بيان مبهم وزيادة جملة وإيضاح مشكل وتفضيل مجمل،
1 / 4
وما يتعلق بالسند من انقطاع واتصال وإرسال ولذا اعتنى به المتقنون من المحدثين أتم الاعتناء وجعلوه أعلى أنواع التحمل، كما قال بعضهم بذلك معلنًا:
بادر على كتاب الأمالي جاهدًا ... من ألسن الحفاظ والفضلاء
فأجل أنواع الحديث بأسرها ... ما يكتب الإنسان في إملاء
وبيّن سببه الحافظ ابن حجر بقوله:
إن في الأمالي من مزيد الضبط ما ... لم يخف إلا عن أخي عمياء
فالشيخ قد يسهو متى يسرد كذا الـ ... ـقارئ وإن كانا من النبهاء
وقد تقاصرت الهمم عن هذا المقام، وتقاعدت طلبة الطلبة عن طلب هذا المرام، مع أني لا أغفل شيئًا مما فيه مما يحتاج إليه من ذكر المخرجين للحديث وبيان مرتبته، وأعرضت عن التطويل بذكر الأسانيد، وإن كانت لأرباب الحديث ألذ مشتهى وأحلى من الفانيذ، على أن الكتاب موضوع للعموم، مقصود لاشتراك الخواص وغيرهم في فهم ما له من منطوق ومفهوم، فاستخرت الله الذي ما خاب من استخاره، واستجرت بحبله المتين وهو لا يضيم جاره، في وضع هذا التعليق، ليكون كالمعين لمطالعيه من أرباب التوفيق، سالكًا فيه طريقًا سالمة من الإيجاز والإطناب، تاركًا للكثير مما يحصل به الملل والإسهاب متكلمًا على ما يحتاج للكلام، ساكنًا عن الواضح البين للإفهام. ناقلًا لجواهر درره من معادنها، مبرزًا لخبايا عرائسه من مكامنها، ليس فيه سوى التقريب، والله المرجو في النفع به وقبوله أنه المجيب القريب، وسميته الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية" جعله الله بمنه مقبولًا، وبالقبول والنفع مشمولًا، سببًا للنجاة من هول يوم القيامة، وذخيرة معدة عند سيدنا محمد المظلل بالغمامة، عليه أفضل الصلاة والسلام والتحية والسلامة، وأحبولة لنيل فضله والكرامة والله الكرام يعطي إن شاء لكل عبد من فضله مرامه. وهو حسبي ونعم الوكيل.
1 / 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مقدرِ الأقدار، مصرفِ الأمور، مكوِّرِ الليل على النهار، تبصِرةَ
ــ
قوله: (الحمد لله) سيأتي الكلام على الحمد في بابه إن شاء الله تعالى. قول: (القهار) ذكره عقب الواحد المستلزم له لأن مقام الخطبة مقام إطناب، وتنبيهًا على علو مقام الرهبة المنبئ عن أوصاف الجلال، المبني عليه كل شرف وكمال. قوله: (مقدر الأقدار) يصح فيه النصب على الحالية ولا يمنع منها إضافته بناء على جعلها لفظية، واسم الفاعل فيها للتجدد والحدوث، والجر على الوصفية، ويقدر الوصف فيه للثبوت والاستمرار فتكون الإضافة معنوية، أو على البدلية سواء كانت الإضافة لفظية أو معنوية، والأقدار جمع واحده قدر، وهو بفتح الدال مصدر قدر يقدر قدرًا، وقد يسكن، عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، كذا في النهاية لابن الأثير. قول: (مكور الليل إلخ) في مفردات الراغب كور الشيء إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة.
وقوله: " ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] الآية" إشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما. اهـ. وفي تفسير الواحدي ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يدخل هذا على هذا، والتكوير هو طرح الشيء بعضه على بعض اهـ، وفي عبارة المصنف اقتباس كما لا يخفى على الأكياس، اكتفى بذكر تكوير الليل على النهار عن مقابله وإنما اقتصر عليه لأن الليل لخلوته وخلوه عن الاشتغال محل الاشتغال بالذكر والطاعة في الأقوال والأفعال فلذا عمم طلب الذكر في جميع أوقاته ولا كذلك النهار في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: - ١٣٠]. ولذا فضل النفل المطلق فيه على نفل النهار وسيأتي لهذا مزيد. قوله: (تبصرة) أي تبصيرًا وتبيينًا وهما مصدرا بصر، المضعف
1 / 6
لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة
ــ
يقال: في مصدره تبصيرًا وتبصرة كقدم تقدمة وتقديمًا ثم هو مفعول أو حال. قول: (لأولي) أي أصحاب وهو اسم جمع واحد ذو بمعنى صاحب وكتبت الواو بعد الهمزة فيه حال النصب والجر لئلا تشتبه بألى الجارة وحال الرفع طردًا للباب. قول: (والأبصار) جمع بصر في مفردات الراغب البصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التي فيها ولقوة القلب المدركة ويقال لها بالمعنى الأخير بصيرة أيضًا اهـ، وعلى الأولين فالعطف على القلوب من عطف المغاير وكذا على الأخير وليس من عطف الرديف لأن البصر اسم لقوة القلب المدركة لا للقلب وأتى به دون البصائر للإيهام المذكور وللسجع المستلذ في السمع. قوله: (الذي أيقظ) إن أعرب "مقدر" بدلًا فيجوز أن يكون الموصول بدلًا أيضًا فيكون مجرور المحل، وأن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف فيكون مرفوعه ولا يجوز اعرابه حينئذٍ نعتًا لأن البدل إذا اجتمع مع النعت تعين تأخيره عنه، وإن أعرب مقدر نعتًا وجعلت إضافته معنوية أو حالًا وإضافته لفظية لما تقدم جاز إعراب الموصول وصفًا أو بدلًا أو خبر مبتدأ
محذوف، وفي النهاية اليقظة أي بفتح القاف والاستيقاظ الانتباه من النوم، ورجل يقظ ويقظ ويقظان إذا كان فيه معرفة وفطنة اهـ، والمراد هنا أيقظهم من سنة الغفلات ففي الفقرة استعارة مكنية، يتبعها استعارة تخييلية، شبه الغفلة بالنوم بجامع انتفاء كل منهما كما ورد في الحديث "مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت" فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات الإيقاظ الذي هو من لوازم المشبه به استعارة تخييلية. قوله: (اصطفاه) أي اجتباه وإفراد الضمير فيه وفيما بعده اعتبارًا بلفظ من.
1 / 7
الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه
ــ
والاصطفاء أخذ الصفوة والصفوة بتثليث الصاد، والأصل اصتفاه فقلبت التاء طاء لوقوعها بعد حرف الصفير. قوله: (الأخيار) جمع خير، وخير مخفف خير كميت وميت، وجوز الهمداني كونه جمع خير وفي إعراب السمين أمواتًا جمع ميت وقياسه على فعائل كسيد وسيائد والأولى أن يكون أموات جمع ميت مخففًا كالأقوال في جمع قيل اهـ، وتعقبه شيخي العلامة عبد الله العصامي في منهوات شرح الشذور له بأن حكمه بأن الأولى كونه جمع ميت، فيه نظر لأن أفعالًا إنما تنقاس جمعيته لما كان ثلاثيًا وإذا كان ميت مخفف ميت فهو رباعي لا محالة فيكون جمع ميت على خلاف القياس اهـ، وظاهر أن جميع ما ذكره يأتي في كونه جمع خير مخفف خير. قوله: (من عبيده) جمع عبد وسيأتي معناه وله عشرون جمعًا جمع منها ابن مالك أحد عشر في بيتين وكملها الجلال السيوطي في بيتين آخرين فقال ابن مالك:
عباد عبيد جمع عبد وعبد ... أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا ... كذاك العبدي وامدد إن شئت أن تمد
وقال السيوطي:
وقد زيد أعباد عبود وعبدة ... وخفف بفتح والعبدان أن تشد
وأعبد عبدون وتمت بعدها ... عبيدون معبودا بقصر فخذ تسد
قوله: (الأبرار) جمع بار يقال برّ في يمينه فهو بار وبرّ أبلغ من بار كعدل وعادل وفي النهاية البر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الإساءة إليهم وتضييع حقوقهم يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة وجمع البر أبرار وهو كثيرًا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد اهـ. قوله: (أحبه) لمحبة
1 / 8
فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في
ــ
لاستحالة قيام حقيقتها من الميل النفساني بالباري ﷾ المراد بها هنا غايتها من إرادة الثواب فتكون صفة ذات، أو الإثابة فتكون صفة فعل وقال القشيري في الرسالة محبة الله للعبد إرادته لإنعام مخصوص على العبد كما أن رحمته لو إرادة الإنعام عليه فالرحمة أخص من الإرادة والمحبة أخص من الرحمة، فإرادة الله تعالى أن يوصل العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة وإرادته لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة وإرادته تعالى صفة واحدة، بحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى سخطًا وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة وقوم قالوا محبة الله تعالى للعبد مدحه له وثناؤه عليه بجميل فيعود معنى محبته له على هذا القول إلى كلامه، وكلامه قديم. وقال قوم محبته للعبد من صفات فعله فهو
إحسان مخصوص يلقى الله العبد به ويرقيه، وقوم من السلف قالوا محبة الله من صفات الخيرية، فأطلقوا هذا اللفظ فوقفوا عن التفسير، قال الشيخ زكريا في شرحه فهذه أربعة أقوال ترجع إلى قولين لرجوع الفعل إلى الإرادة والخيرية إلى الكلام اهـ، وإفراد الضمير في أكثر النسخ باعتبار لفظ من وجمعها في نسخة باعتبار معنى من. قوله: (فزهدهم إلخ) الزهد شرعًا أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل وهو أخص من الورع اذ هو ترك المشتبه وهذا زهد العارفين وإليه أشار بقوله فزهدهم في هذه الدار وإلى هذا المعنى أشار من قال:
إن لله عبادًا فطنًا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
وأعلى منه زهد المقربين وهو الزهد فيما سوى الله تعالى من جنة وحال
1 / 9
مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتنابِ ما يسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، وعند تغاير الأحوال وجميع آناء الليل
ــ
ومقام. وليس لصاحب هذا المقال مرام إلا الوصول إليه والقرب منه تعالى والزهد في الدنيا باحتقار جميع شأنها لتصفير الله إياها وتحقيره لها. قوله: (مرضاته) مصدر ميمي أي رضاه، ورضا الله عن العبد قال الراغب هو أن يراه مؤتمرًا بأمره منتهيًا عن نهيه. قوله: (ما يسخطه إلخ) السخط من الله تعالى إنزال العقوبة كما في مفردات الراغب وفي أمالي ابن عبد السلام غضب الله فيه ثلاث مذاهب قال الشيخ أبو الحسن الأشعري هو صفة ذات وعبّر به عن الإرادة وقال القاضي هو صفة فعل وعبر به عن معاداة الغاضب لمن غضب عليه وقال غيرهما هو صفة ذات وعبر به عن سب الله لأعدائه في كتابه فيكون عائدًا إلى صفة الكلام ويجوز فيه كنظائره فتح أوليه وضم أوله وسكون ثانيه. قوله: (والحذر) معطوف إما على مرضاته وهو أولى لسبقه أو على اجتناب لقربه والاجتهاد في الحذر من عذابه بمجانبة الأفعال المؤدية إليه. قوله: (بالجد) بكسر الجيم أي الاجتهاد. قوله: (طاعاته) جمع طاعة وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي وسيأتي الفرق بينها وبين القربة والعبادة. قوله: (بالعشي) هو من زوال الشمس إلى الصباح والبكرة أول النهار كذا في مفردات الراغب وفي النهاية لابن الأثير العشي من الزوال إلى المغرب وقيل إلى الصباح اهـ، ثم في هذه الفقرة إن أجريت على ظاهرها اقتباس من حديث "يقول الله تعالى اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخره ساعة أكفك ما بينهما" ويجوز أن يكون كناية عن الاستيعاب وشمول سائر الأزمنة. قوله: (تغاير الأحوال) أي اختلافها. قوله: (وجميع آناء الليل) أي وجميع ساعاته ومفرده إني كمعي كما في النهر لأبي حيان وأناء بفتح الهمزة والمد كما في البيضاوي وإني وإنو ففي واحدة أربعة
1 / 10
وأطراف والنهار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار.
أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
ــ
أقوال وقد حكاها الواحدي. قوله: (وأطراف النهار) أي جوانبه قال الواحدي في قوله تعالى: (وَسَبح بِحَمدِ رَبِّكَ) أي صل لله بالحمد له والثناء عليه (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يريد الفجر (وَقَبلَ غُرُوبِهَا) يعني العصر (وَمنءَانَآيِ الليلِ) ساعاته قال ابن عباس يريد أول الليل
المغرب والعشاء ﴿وَأَطرَافَ النَّهارِ﴾ قال بريد الظهر وسمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني اهـ، ثم تعبير المصنف بما عبر به إيماء إلى أنه ينبغي استغراقه جميع الليل وطرفي النهار بالذكر وذلك لأن في النهار زمن الاشتغال بأحوال المعاش، واستغراقه بالأعمال ربما يكون سببًا لفوات ذلك وقد يترتب عليه ضياع الأهل والعيال المنهي عنه في قوله ﷺ "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" ويصح أن يراد بأطراف النهار جميع أزمنته فكثيرًا ما يعبر بالبعض عن الكل وكثيرًا ما يأتون بعبارة ليست صريحة في التعميم وهو مرادهم بها لكثرة الاستعمال كأعطيت القوم عن آخرهم أي عممتهم بالعطاء وعليه فالمراد جميع ذلك على قدر الاستعداد وحسب الطاقة وفي الفقرة اقتباس. قوله: (بلوامع الأنوار) يقال لمع البرق كسطع أضاء وهذا من إضافة الوصف للموصوف أي الأنوار اللوامع وهو جائز عند الكوفيين ولا بد من تأويله عند البصريين. قوله: (عبده) العبد والعبدل لغة الإنسان وشرعًا المكلف ولو حرًا وهو أسنى أوصاف الإنسان ولذا نعت ﷺ في أشرف المقامات في القرآن قال بعض العلماء وقال بعضهم العبد يقال عليّ أضرب: عبد بحكم الشرع وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه. وعبد بالإيجاد وذلك ليس إلَّا لله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
1 / 11
وصفيه وحبيبه وخليله،
ــ
وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٣] وعبد بالعبادة وهو المقصود بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] ومنه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وعبد الدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها وإياه قصد النبي ﷺ بقوله تعس عبد الدينار والعبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلَّا من له غاية الإفضال وسيأتي لهذا المقام مزيد. قوله: (وصفيه) في النهاية صفى الرجل الذي يصافيه الود يخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. قوله: (وحبيبه) أي حبيبه الأكبر إذ محبة الله للعبد المستفادة من قوله تعالى: (﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] على حسب معرفته به، وأعرف الناس بالله نبينا فهو أحبهم له وأحقهم باسم الحبيب. وتقدم معنى المحبة من الله وحبيب فعيل من أحب فهو محب أو من حب يحب فهو حبيب. قوله: (وخليله) الخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل وقد يكون بمعنى مفعول من الخلة بضم أوله الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في خلاله أي باطنه وقيل هي تخلل مودة في القلب لا تدع فيه خلاء إلاّ ملأته أو من الخلة بالفتح الحاجة والفقر كذا يستفاد من النهاية لابن الأثير. وفي شرح الأربعين لابن حجر الهيتمي وخليله الأعظم بمعنى مفعول وكان الاقتصار عليه لكونه أنسب بمقام الأدب وأشرف بكونه ذا الخلة التي هي نهاية الأرب وهل مقام المحبة أرجح من مقام الخلة كما يؤذن به الاهتمام بتقديمه وعليه العارف ابن أبي جمرة في حديث الإسراء في كتابه بهجة النفوس وتحليها أو بالعكس ورجحه ابن القيم فقال: وظن أن المحبة أرفع وأن ابراهيم خليل وأن محمدًا حبيب غلط وجهل وما استدل به لتفضيل المحبة إنما يقتضي تفضيل ذات محمد على ذات إبراهيم ﷺ وهذا لا نزاع فيه إنما النزاع في الأفضلية المستندة إلى أحد الوصفين والذي قامت عليه الأدلة
استنادها إلى وصف الخلة الموجودة في
1 / 12