Mekke Fetihleri
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Yayıncı
دار إحياء التراث العربي
Baskı
الأولى
Yayın Yılı
1418هـ- 1998م
Yayın Yeri
لبنان
قال تعالى وأنهار من خمر لذة للشاربين وهو علم الأحوال ولهذا يكون لمن قام به الطرب والإلتذاذ وأما حدهم له بأنه غيبة بوارد قوى فما هو غيبة إلا عن كل ما يناقض السرور والطرب والفرح وتجلى الأماني صورا قائمة في عين صاحب هذا الحال ورجال الله تعالى في حال السكر على مراتب نذكرها إن شاء الله فسكر طبيعي وهو ما تجده النفوس من الطرب والإلتذاذ والسرور والإبتهاج بوارد الأماني إذا قامت له في خياله صورا قائمة لها حكم وتصرف يقول شاعرهم
فإذا سكرت فإنني . . . رب الخورنق والسرير فإنه كان يرى ملكه لذينك غاية مطلوبه فلما سكر قامت له صورة الخورنق والسرير ملكا له يتصرف فيه في حضرة تخيله وخياله أعطاه إياه حال السكر فإن له أثرا قويا في القوة المتخيلة قالوا قفوا من أهل الله الخيال لهم هذا السكر الطبيعي فإنهم لا يزالون يراقبون ما تخيلوا تحصيله من الأمور المطلوبة لهم من الله حتى يتقوى عندهم ذلك ويحكم عليهم مثل قوله عليه السلام اعبد الله كأنك تراه وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا أن الله في قبلة المصلى وقول الصاحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأل صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه حين قال أنا مؤمن حقا فقال رضى الله عنه كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا يعني في يوم القيامة فجاء بما تعطيه حضرة الخيال فإذا تقوى مثل هذا التخيل أسكر النفس وقامت له صورة ما تخيل ينظر إليها بعينه ويخبر عنها كرؤية صاحب الرؤيا سواء وتلقى إليه ويصغي إليها وهو لا يعلم أنه يخاطب ويشاهد صورة خيالية بل يقطع أن ذلك شهود حسى فإذا صحا من ذلك السكر ارتفع عنه ذلك الأمر من حيث صورته مع بقاء تخيله عند بعض الناس ممن يتذكر ذلك في الذهن كما يرتفع عنه صورة ما رأى في النوم بالإنتباه ومن أهل هذا المقام من يبقى الله له تلك الصورة المتخيلة في حال صحوه فيثبتها له محسوسه بعدما كانت متخيلة كالجنة التي خيلها إبليس في الخيال المنفصل لسليمان عليه السلام ليفتنه بها ولا علم لسليمان عليه السلام بذلك فسجد شكر الله تعالى حيث أتحفه بها فأبقاها الله له الجنة محسوسية يتنعم بها ورجع إبليس خاسر إلا أنه أريد بذلك فتنته وما علم أن أهل الله إذا وقع لهم مثل هذا أنه يحدث ذلك عبادة لله عندهم هذا والمخيل عدو فكيف حالهم إذا كان خيالهم منهم وليسوا بأعداء نفوسهم فإنهم يسعون في خلاصها ونجاتها فإذا كان سكرهم الطبيعي أثمر لهم مثل هذا فما ظنك بما فوقه من مراتب الإسكار وأما السكر العقلي فهو شبيه بالسكر الطبيعي في رد الأمور إلى ما تقتضيه حقيقته لا إلى ما يقتضيه الأمر في نفسه ويأتي الخبر الإلهي عن الله لصاحب هذا المقام بنعوت المحدثات إنها نعت لله فيأبى قبولها على هذا الوجه لأنه في سكرة دليله وبرهانه فيرد ذلك الخبر لما يقتضيه نظره مع جهله بذات الحق وهل تقبل هذا النعت أولا تقبله بل تخيل أنها لا تقبله فيمد رجله هذا العقل لسكره في غير بساطه فوقع في الحق بسكره ويعذره الحق في ذلك لأن السكران غير مؤاخذ بما ينطق فجرد عن الله ما نسبة الحق لنفسه فإذا صحا هذا العاقل عن سكره بالايمان لم يرد الخبر الصدق والقول الحق وقال أن الحق أعلم بنفسه وبما ينسبه إليه من العقل فإن العقل مخلوق والمخلوق لا يحكم على الخالق فإنه ما من مصنوع إلا يجهل صانعه فإن السقة تجهل صانعها وهو الحائك كذلك الأركان مع الأفلاك وكذلك الأفلاك مع النفس والنفس مع العقل زكذلك العقل مع الله وغاية ما علم من علم منهم افتقاره إليه واستناده في وجوده إلى صانعه ولا يحكم عليه بشئ ولا سيما أن أخبر الصانع عن نفسه بأمور فليس للمصنوع إلا قبولها فإن ردها فلسكر قام به فحمره الذي يشؤب إنما هو دليله وبرهانه ويقويه على ذلك ما تعطيه بعض الأخبار الإلهية من النعوت في حقه الموافقة لبرهانه ودليله فهذا سكر عقلي فالسكر الطبيعي سكر المؤمنون والسكر العقلي سكر العارفين وبقي سكر الكمل من الرجال وهو السكر الإلهي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم زدني فيك تحيرا والسكران حيران فالسكر الإلهي ابتهاج وسرور بالكمال وقد يقع في التجلي في الصور سكر بحق قال بعضهم
Sayfa 534