Mekke Fetihleri
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Yayıncı
دار إحياء التراث العربي
Baskı
الأولى
Yayın Yılı
1418هـ- 1998م
Yayın Yeri
لبنان
اختلف علماء الرسوم رضي الله عنهم في ذلك فقال بعضهم التلبية في الحج كتكبيرة الإحرام في الصلاة وصاحب هذا القول يجزىء عنده كل لفظ يقوم قمام التلبية كما يجزىء عنده في الصلاة كل لفظ يقوم مقام التكبير وهو كل ما يدل على التعظيم وقال بعضهم لا بد من لفظ التلبية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني مناسككم ومما شرع لفظ التلبية وهو قوله لبيك كما شرع الله أكبر في تكبيرة الإحرام في الصلاة فأوجب بعضهم تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورتها لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وفي رواية لبيك إله الحق وفي رواية إله الخلق فهي واجبة بهذا اللفظ عند هؤلاء وعند جمهور العلماء مستحبة وبه أقول واللفظ بها أولى واختلفوا في الزيادة على هذا اللفظ وفي تبديله كما قلنا وكذلك اختلفوا في رفع الصوت بالتلبية وهو الإهلال فأوجبه بعضهم وبه أقول ولكنه عندي إذا وقع منه مرة واحدة أجزأه وما زاد على الواحدة فهو مستحب وألوى وقال بعضهم رفع الصوت بالتلبية مستحب إلا في مساجد الجماعات ما عدا المسجد الحرام ومسجد منى عند بعضهم واختلفوا في التلبية هل هي ركن أم لا فقال بعضهم هي ركن من أركان الحج وبه أقول فإن الله يقول فليستجيبوا لي وهو قد دعانا إلى بيته فلا بد أن أقول لبيك ثم نأخذ في الفعل لما دعاني الله أن نأتيه به من الصفات وقال بعضهم ليست ركنا اعلم أن القصد إلى الله تعالى بهذه العبادة الخاصة الجامعة بين الإحرام والتصرف في أكثر المباحات هو قصد خاص لاسم خاص وهو الداعي إلى البيت بهذا القصد لا إليه لكن من أجله بصفة عبودية مشوبة بصفة سيادة تظهر حكم السيادة في هذه العبادة في النحر لأنه إتلاف صورة وفي الرمي بالجمار فإنه وصف فعل إلهي في قوله وأمطرنا عليهم حجارة روي أن إبليس تعرض لأبراهيم الخليل في أماكن هذه الجمرات مرارا فحصبه بعدد ما شرع وفي زمانها وكذلك في إلقاء التفث فإنه وصف إلهي من قوله ' سنفرغ لكم ' وفرغ ربك والوفاء بما نذر فيه كذلك لقوله ' أوف بعهدكم ' والطواف بالبيت لكون هذا الفعل إحاطة بالبيت من قوله وهو بكل شيء محيط والذكر فيها من قوله اذكروني أذكركم وذكر الله لنا أكبر من ذكرنا له إلا إن ذكرناه به لا بنا فذكرنا به أكبر إحاطة فإن في ذكرنا نحن وهو وفي ذكره هو بلا نحن قرىء على أبي يزيد أن بطش ربك لشديد قال بطشي أشد يعني إذا بطش العبد به لا بنفسه وإنما قول أبي يزيد عندي فشرحه خلاف هذا فإن بطش العبد بطش معرى عن الرحمة ما عنده من الرحمة شيء في حال بطشه وبطش الحق بكل وجه فيه رحمة بالمبطوش به من وجه يقصده الباطش الحق فهو الرحيم به في بطشه فبطش العبد أشد لأنه لا تقوم به رحمة بالمبطوش به وما أشبه ذلك من الرمل والسعي وكل فعل له في الألوهية وصف وإذا عرفت أن القصد إلى البيت من الله لا إليه فليكن قصدك إلى البيت بربك لا بنفسك فتكون ذا قصد إلهي فإنه تعالى قصد هذا البيت دون غيره من البيوت وطلب من عباده أن يقصدوه بوصف خاص وهو الإحرام وجميع أفعال الحاج وجعل أوله طوافا وآخره طوافا فختم بمثل ما به بدأ عند الوصول إلى البيت فما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلا لكونه جعله قصدا حسيا فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيته وهو معك أينما كنت فلا يصح أن تقصد بالمشي الحسي من هو معك فأعلمك أنه معك ثم إنه ذلك على البيت الذي هو مثلك ومن جنسك أعني أنه مخلوق فدلالته لك على البيت دلالته لك على نفسك في قوله من عرف نفسه عرف ربه فإذا قصدت البيت إنما قصدت نفسك فإذا وصلت إلى نفسك عرفت من أنت وإذا عرفت من أنت عرفت ربك فتعلم عند ذلك هل أنت هو أو لست هو فإنه هناك يحصل لك العلم الصحيح فإن الدليل قد يكون خلاف المدلول وقد يكون عين المدلول فلا شيء أدل على الشيء من نفسه ثم تبعد الدلالة بحسب بعد المناسبة فالإنسان أقرب دليل عليه من كونه مخلوقا على الصورة ولهذا ناداك من قريب لقرب المناسبة فقال ' إني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ' ' وقد سمع الله قول التي تجادلك ' وقد تقدم في أول الباب أسرار ظهرت في اعتبار البيت ثم جاء بلفظة البيت لما فيه من اشتقاق المبيت فكأنه إنما سمي بيتا للمبيت فيه فإنه الركن الأعظم في منافع البيت كقولهم الحج عرفة يريد معظمه فراعى حكم المبيت لأنه في المبيت يكون النوم فهو محتاج إلى من يحفظ رحله ونفسه لنومه فإنه في حال يقظته يتصف بحفظ رحله ونفسه فلما راعى فيه المبيت والمبيت لا يكون إلا بالليل لا بالنهار ولهذا راعى أ ؛ مد بن حنبل في غسل اليد في الوضوء قبل إدخالها في الإناء لمن قام من نوم الليل خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم ' فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ' فجاء بلفظ المبيت فجعل الحكم في نوم الليل ولما كان الليل محل التجلي فيه فإن الحق ما جعل تجليه لعباده في الحكم الزماني إلا في الليل فإن فيه ينزل ربنا وفيه كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه معارج الأرواح في النوم لرؤية الآيات ولما تحققت هذه الأمور كلها خص سبحانه هذا المكان بلفظ البيت فسماه بيتا فافهم ما أشرنا إليه فقال جل وتعالى ' ولله على الناس ' إشارة إلى النسيان ولم يقل على بني آدم حج البيت يعني قصد هذا المكان من كونه بيتا ليتنبه باسمه على ما قصد به دون غيره من استطاع إليه سبيلا أي من قدر على الوصول إليه ولذلك شرع وإياك نستعين وأمثاله فالإجابة لله بالتلبية لدعائه ورفع الصوت به من أجل البيت لبعده عن المدعو فإنه دعاه من البيت لأنه دعاه ليراه فيه لتجليه كما أسرى بعبده ليلا ليريه من آياته التي هي دلائل عليه وقد يكون ظهور الشيء للطالب دليلا على نفسه فيكون من آياته أن يتجلى له فيراه فيكون له دليلا على نفسه وهذا مذهب ابن عباس فوجب رفع الصوت بالتلبية وهو الإهلال لأجل ما للبيت من الحظ في هذا الدعاء فإنه المقصود في اللفظ فهو الحجاب على الوجه المقصود فإن كنت محمدي المشهد فلا تزد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيأ فتراه بعينه فإنه لا يتجلى لك بتلبيته إلا ما تجلى له وقد تقرر أنه أعلم الخلق بالله والعلم بالله لا يحصل إلا من التجلي وقد تجلى لك في تلبيتك هذه فنظرته بعين محمد صلى الله عليه وسلم وهي أكمل الأعين لأنه أكمل العلماء بالله والله مع العبد في شهوده على قدر علمه به فإن زدت على هذه التلبية فقد أشركت حيث أضفت إليها تلبية أخرى وأنت تعلم أن الجمع يعطي من الحكم ما لا يعطي الأفراد فلا تتخيل أنك لما جئت بتلبيته صلى الله عليه وسلم كاملة ثم زدت عليها ما شئت أن باستيفائك إياها يحصل لك ما حصل لمن لم يزد عليها هذا جهل من قائله بما هي عليه حقائق الأمور ألا تراه صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته تلك وما زاد عليها ولا أنكر على أحد ما لبى به فلم يكن لزومه إياها باطلا فألزم الاتباع تكن عبدا ولا تبتدع في العبودية حكما فتكون بذلك الابتداع ربا فإنه البديع سبحانه فألزم حقيقتك تحظ به وإن شاركته لم تحظ به فإنه لا يشارك فتقع في الجهل لأن الشركة لا تصح في الوجود لأن الوجود على صورة الحق وما في الحق شريك بل هو الواحد الشركة ما لها مصدر تصدر عنه فتحقق هذا التنبيه في الشركة فإنه بعيد أن تسمعه من غيري وإن كان معلوما عنده فإنه يحكم عليه الجبن الذي فطر عليه فيفزع من كون الحق أثبت الشكرة وصفا في المخلوق وما شعر هذا الناظر بقوله أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو الذي أشرك فما قال إن الشركة صحيحة ولا أن الشريك موجود إذ لا يصح وجود معنى الشركة على الحقيقة لأن الشريكين حصة كل واحد
هذا هو الحق الذي . . . إن قلته لا تغلب
وما سوى هذا فلا . . . فهو مثال يضرب
مثل تقدير وجود المحال وجوده بحكم الفرض ولما كان القصد إلى البيت والبيت في الصورة ذو أربعة أركان وفي الوضع الأول ذو ثلاثة أركان كان القصد على صورة البيت في أكثر المذاهب فأركان الحج أربعة الإحرام والوقوف والسعي وطواف الإفاضة هذا هو الذي عليه أكثر الناس ومن راعى صورة البيت في الوضع الأول كان عنده على التثليث لم ير طواف الإفاضة فرضا فأقام البيت على شكل مثلث متساوي الساقين لا متساوي الأضلاع ولا يصح أن يكون متساوي الأضلاع إذ لو كان لم يكن ثم من يميز الساقين لأنه مثلهما ولا بد من تساوي الساقين والتمييز بينهما وهما اليدان والقبضتان وإنما سميتا ساقين للاعتماد الذي في حقيقة الساق ولما كان الاعتماد على القبضتين وإليهما يرجع حكم الأمر في الدارين الجنة والنار وما ثم غيرهما كان اسم الساق أولى ' والتفت الساق بالساق ' فلا بد من التساوي حتى يصح الالتفاف عليه كله من كله وما زاد على هؤلاء الأربعة وجعل ركنا فمن نظر آخر خارج عن شكل البيت وصورته فهو بمنزلة من يطلب أمرا فيرى ما يشبهه فيقول هو هو وإن كان هو اعتبار صحيح ولكن ما له هذا الظهور في الشبه لأن الصورة لا تشهد له أعني صورة البيت الذي هو المقصود بالحج لا غير .
وصل في فصل الإحرام إثر صلاة
وهو مستحب عند العلماء فرضا كان أو نفلا غير أن بعضهم يستحب أن يتنفل له بركعتين فإنه أولى إذا كانت السنة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك والسنة أحق بالاتباع فإنه لهذا سنت وقد قال خذوا عني مناسككم في حجه صلى الله عليه وسلم إنما شرع الإحرام إثر صلاة لأن الصلاة عبادة بين طرفي تحريم وتحليل فتحريمها التكبير وتحليلها التسليم فأشبهت الحج والعمرة فإنهما عبادتان بين طرفي تحريم وتحليل فوقعت المناسبة ولأن الصلاة أيضا أثبت الحق فيها نفسه وعبده على السواء فجعل لنفسه منها أمرا انفرد به وجعل لعبده منها حظا أفرده به وجعل منها برزخا أوقع فيه الاشتراك بينه وبين عبده فإنها عبادة مبنية على أقوال وأفعال والحج كذلك ينبني على أقوال وأفعال فما فيه من التعظيم فهو لله ومن الذلة والافتقار والنفث فهو للعبد وما فيه مما يظهر فيه اشتراك فهو برزخ فوقعت المناسبة أيضا فيه أكثر من غيره من العبادات فإن الصوم وإن كان بين طرفي تحريم وتحليل فما يشتمل على أقوال ولا على أفعال ثم إن كان لك أهل في موضع إحرامك فينبغي لك إذا أردت الإحرام أن تطأ أهلك فإن ذلك من السنة ثم تغتسل وتصلي وتحرم فإن المناسبة بين الحج والصلاة والنكاح كون كل واحد من هذه العبادات بين طرفي تحريم وتحليل وقد راعى الله ذلك أعني المناسبة من هذا الوجه في الصلاة والنكاح فقال ' حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى الآيتين وجعل هذه الآية بين آيات نكاح وطلاق تتقدمها وتتأخر عنها وعدة وفاة وفي ظاهر الأمر إن هذا ليس موضعها وما في الظاهر وجه مناسب للجمع بينها وبين ما ذكرنا إلا كونهما بين طرفي تحريم وتحليل متقدم أو متأخر ولما أراد الله من العبد فيما نبهه به أن لا يفعل شيأ من الأفعال الصادرة منه في ظاهر الأمر إلا وهو يعلم أن الله هو الفاعل لذلك الفعل في قوله كنت سمعه وبصره فبي يسمع وبي يبصر وبي يتحرك وقال في الصلاة إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فنسب القول إليه لا إلى العبد ولم يقل بلسان عبده فلهذا شرع الإحرام عقيب صلاة لينتبه الإنسان بما ذكرناه أنه بربه في جميع حركاته وسكناته على اختلاف أحكامها فيكون في عبادة دائما بهذا الحضور ويكون فيها لا فيها :
Sayfa 830