وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ؟ أولست تعرف أن الحسنات يذهبن السيئات؟ فعليك بالحسنات يغفر لك الله من ذنوبك وتكن أعمالك خير شفيع لك، ووقف المستشفع مأخوذا؛ لأنه لم يكن يتوقع أن يسمع ما سمع، لكنه مع ذلك صاح حين أتم صاحبه كلامه: الشفاعة يا رسول الله! وانطلق إلى الروضة النبوية يلتمس أقرب مكان من منبر الرسول.
عدت إلى التفكير في تطور النفسية الإسلامية على أثر هذا المشهد، قلت في نفسي: ألا يغلو الذين يحولون بين زائر الحجرة وما سوى السلام على نبي الله ورسوله غلو الذين يتمرغون على أعتاب المقصورة يلتمسون العفو والمغفرة؟! إن هذا الموقف ليبعث في النفس من العبرة والذكرى ويثير فيها من معاني الحكمة العليا ومن أسباب الأسوة الحسنة ما لا يثيره موقف سواه، إننا نقف أمام قبور العظماء من فلاسفة وقواد وملوك وكتاب وحكماء فتحدثنا صفائحها بأبلغ ما تحدثنا عنه أكثر الكتب بلاغة وأدقها منطقا، ما بالك بهذا الموقف أمام قبر النبي العربي وما يبعثه إلى النفس من دواعي الحكمة والإيمان وحسن الرأي وجميل الأسوة؟! حسبك أنه منارة الهدى إلى التوحيد في قوة بساطته وصفاء جوهره، وإلى الإيمان بهذا التوحيد عن معرفة وبصيرة، وإلى سلوك سبيل العلم لبلوغ أسمى مراتب الإيمان بملاحظة خلق الله واستنباط سنته - جل شأنه - في الكون؛ ليكون لهذه الوقفة أمام الحجرة أبلغ الأثر في الحياة، أثر يجعلنا نسمو بأنفسنا فوق الزائل من المنافع العاجلة لهذه الحياة الدنيا لنحدق في الوجود وجها لوجه نبتغي فيه آية الله، ونرى خلاله أسرار عظمته - جل شأنه، أليس غلوا أن نمنع الناس من هذه الوقفة مخافة أن يغلوا في تقديس هذا القبر إلى حد العبادة؟! والذين يعبدون القبر أو صاحب القبر غلاة كذلك، ينكرون تعاليم صاحبه وما جاء به من عند الله فيشوبون صفاء التوحيد بما يصنعون ، ويشوهون جلاله بما لا يرضى الله ورسوله، تعالى الله عما يصفون.
ومثلت أمام ذهني صورة هذا الرسول الكريم يوم دفن بهذه الحجرة، فرأيته في أكفانه، ورأيت أبواب هذه الحجرة تفتح للمسلمين من ناحية المسجد فيدخلون فيلقون على نبيهم نظرة الوداع ويصلون عليه، هذا أبو بكر وهذا عمر يدخلان وقد امتلأت الحجرة بالمسلمين وهم يصلون صلاة الجنازة كما كان يصليها رسول الله على موتاهم، لا يؤمهم في صلاتهم أحد، ويتم القوم جميعا صلاتهم ويقفون صموتا كأن على رءوسهم الطير حتى يسمعوا أبا بكر يقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.» وأبو بكر يتلو هذا السلام جملة جملة. والمسلمون يجيبون عند كل جملة آمين! آمين! في هيبة وخشوع، ويفرغ الرجال من صلاتهم ويدخل النساء ثم الصبيان من بعدهم، وهؤلاء وأولئك جميعا كل واجف قلبه، محزون فؤاده، يفري الأسى كبده لفراق رسول الله خاتم النبيين، ويساوره على دين الله أشد الخشية من بعده.
ترى كيف كان دفن أبي بكر إلى جانب النبي، وكيف كان دفن عمر إلى جانب أبي بكر؟! لقد مات أبو بكر في الثاني والعشرين من جمادى الأولى للسنة الثالثة عشرة من الهجرة، فتولت غسله ابنته أسماء يعاونها ابنه عبد الرحمن إجابة لرغبته قبيل وفاته، ثم إنه كفن في الأثواب التي مات فيها؛ لأنه أبى أن يكفن في جديد من الثياب، فالثياب الجديدة تنفع الحي، ونقله الصحابة من بيته إلى بيت ابنته عائشة، وصلى عليه عمر والمسلمون من حوله، ودفن إلى جوار رسول الله، رأسه عند منكبي صاحب الرسالة، ولقد مات عمر في السادس والعشرين من ذي الحجة في السنة السادسة والعشرين من الهجرة، فتولى صهيب والصحابة نقله من داره إلى دار عائشة حين دفن في جوار صاحبيه، ورأسه إلى منكبي أبي بكر، فصلى صهيب عليه، وأنزل عبد الله بن عمر جثمانه إلى مقره الأخير.
ما أبلغ العبرة في دفن خليفتي رسول الله الأولين في حجرته! وأول ما يدل ذلك عليه إجماع المسلمين على أنهما تأسيا بالرسول وسارا على نهجه وسنته، فحق لهما أن يكونا في جواره، وهما قد سارا على نهج الرسول وسنته في سياسة المسلمين، فنسي كل منهما نفسه وجعل وحدة المسلمين وعظمة الإسلام والجهاد في سبيل الله غرضه، لم يفكر أحد منهما حين خلافته في مال أو جاه أو سلطان يكون له أو لذويه وأهله، بل رأى فيما ولي من أمر المسلمين عبئا وواجبا ألقاه الله على عاتقه، فكان كل همه ألا تعلق به فيما ولي من ذلك ريبة من الناس ولا من نفسه، وأن يؤدي في ولايته لكل مسلم حقه، كان الفقر فخر كل منهما، كما كان فخر صاحب الرسالة، وكانت التقوى لباسهما ويجب أن تكون لباس كل مؤمن، وكان الحرص على رضا الله بطاعته غاية رجائهما، بذلك استقر الإسلام بعد أن قمع أبو بكر من حدثته نفسه بالخروج عليه، ثم مد عمر راية الإيمان على بلاد الروم والفرس بعد أن حسب الروم والفرس أن الله أورثهم إياها إلى يوم الدين، ونسوا أن الله إنما يورث الأرض من يشاء من عباده الصالحين.
بهذا سما أبو بكر وسما عمر، فحق لهما أن يجاورا رسول الله في جوار الله، فكانت للمؤمنين في ذلك عبرة أن من أطاع الله ورسوله وجاهد في سبيله التماسا للمثل الأعلى كان جديرا أن يسمو إلى مكانة المقربين، وأن يرقد رقدته الأخيرة في جوارهم، لقد سأل الوليد بن عبد الملك عن قبر عثمان يوم زار المدينة بعد أن ضمت الحجرة إلى المسجد فقيل له: «إنه مات في فتنة.» ولولا ذلك لدفن في الحجرة كما دفن أبو بكر وعمر، وقد يكون عجيبا ألا ترى عائشة دفنه بها وقد كانت مع معاوية بين المطالبين بدمه، ولكن لا عجب ، فلم يجمع المسلمون على تأسي عثمان بالرسول ما أجمعوا على تأسي الخليفتين الأولين به، ولو أنه فعل لسما سموهما ولحق له أن يرقد معهما في جوار رسول الله.
وما كان المسلمون ليأبوا عليه ذلك يومئذ لو أنهم أقاموا على سنة الرسول يؤثرون على أنفسهم، ويحرصون على العدل ولا يميل بهم الهوى، لكن سيرة الرسول تقتضي من يبتغي الأسوة فيها مجهودا إنسانيا كبيرا، تقتضيه أن يسمو على المادة، وأن يمحو من آثارها كل ما يغشى ضياء الروح، وأن يعالج ذلك بالمعرفة والعلم، وأن يثابر في هذه السبيل غير وان ولا قانع، فالقناعة فضيلة في طلب المادة، والونى دون الطمع في هذا الطلب خير، لكن أجواء السمو الروحي لا حدود لها، ودوام السمو فيها يقتضينا ألا نقنع بما بلغنا، وألا نني عن مواصلة الجهد لبلوغ غاية ما نستطيع منه، وهذا ما شغل المسلمون عنه من عهد عثمان بما شجر بينهم من خلاف.
اللهم إني أضرع إليك أن تهيئ لي وللمؤمنين في هذا السبيل - سبيل السمو الروحي - ما هيأت لمن ارتضيت من عبادك، وأن تيسر لنا اتباع رسولك الكريم؛ نتأسى به ونتبع سنته، ونسير في خطاه! اللهم إن هذه الحجرة التي أقف أمامها ألتمس فيها المثل والعبرة لتلهمني من ذلك ما أرجو أن تهديني صراطه، فهو صراطك المستقيم! اللهم بك العون فأعني، ومنك الرضا فارض عني! ربنا لا تحملني ولا تحمل إخواني المؤمنين ما لا طاقة لنا به! ربنا اعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا وأنت نعم المولى ونعم النصير!
ظاهر المدينة
عد بذاكرتك إلى اليوم الثامن والعشرين من شهر يونية سنة 622م، ففي ذلك اليوم كان رسول الله
Bilinmeyen sayfa