Modern Edebiyat Üzerine
في الأدب الحديث
هذا هو كل ما قاله البكري من الشعر، لا يزيد عن أربع قصائد وبعض مقطوعات وشذرات ضمنها آراءه العارضة وخطراته، وبهذا يصدق عليه قول مطران: بأنه لم تكن له جامعة تربط بين أجزاء شعره، وأنه كان مقلا في هذا الشعرن وقد علل الأستاذ العقاد لهذه القلة بأن البكري كان يكتب كثيرا، ولا ينظلم إلا عرضا في أثناء الكتابة، أو في خاطره عابرة قلما يسترسل معها إلى الإطالة، فاتسعت له في النثر مجالات السليقة الشاعرة، ظهرت فيه لفتات الشاعر وأغراضه وخصائص ذوقه وفكره، ولعله لو أطال النظم كما أطال النثر لكثرت موضوعاته، وتساوت في هذه المزية قصائده ومقاماته، وربما كان البكري ممن يرون كما كان يرى الأقدمون "أن الشعر أسرى مروءة الدنى، وأدنى مروءة السرى"، وأن الانقطاع له والإكثار منه لا يجملان بصاحب المقام الديني والحسب # العريق، وليست الكتابة كذلك عند أصحاب هذا الرأي، ولا سيما الكتابة التي صاغ في قالب الرسائل بين الأكفاء ولا يطلع عليها القراء إلا إذا طالعهم بها أديب من محترفي الصناعة، ليتولى هو شرحها وتقديمها إلى الناس، كما جرى في كتاب صهاريج اللؤلؤ ديوان البكري الجامع لنخبة نثره وشعره1.
وفي الحق إن نثر البكري شعرا لا ينقصه إلا الوزن، فكثير من موضوعاته التي يدبجها نثرا، لا تصلح إلا للشعر، وقد استطاع -على الرغم من أنه قيد نفسه بالفخامة والجزالة، وتصيد الغريب، وإيراد الأمثال العربية القديمة، وبالعبارة المسجوعة- أن يقبس من سموات الخيال الشعري قبسات مشعة، وأن يمثل عصره أتم تمثيل في فكرته لا في عبارتهن وفي خياله لا في صياغته.
دعنا نستعرض نثر البكري لنتبين هذه الحقيقة فأول موضوعات صهاريج اللؤلؤ عن رحلته إلى القسطنطينية، وفيها وصف للسفينة والبحر والليل والقطار والبسفور، ونساء الأتراك ومتنزهات المدينة وهي كلها من الموضوعات التي يصح أن ينظم فيها شاعر حساس ذو خيال ووجدان، ولم يتعرض البكري لوصفها نثرا إلا لأنه يملك هذه الحاسة الفنية، ويملك الخيال الذي يصور به مشاعره. ولعله لم يجد القدرة في الشعر حتى يؤثره بتسجيل خواطره، ولم يكن أمامه إلا البارودي وكان لا يزال في منفاه، ولم يضرب في كل ميادينه ولم يجمع شعره إلا بعد عودته من المنفى، ولعله برم بالشعر لتقيده بالوزن والقافية، فأثر العبارة المنثورة لتحمل خياله المجنح، وتتسع لوصفه البديع.
ولا يسعنا أن نأتي على كل موصوفاته، ولنتخير من وصفه للقسطنطينية قوله في وصف البحر "والبحر أونة كالزجاج الندى أو السيف الصدى، يلوح كالصفيحة المدحوة2 أو المرآة المجلوة، وحينا يضرب زخاره، ويموج مواره، فكأنما سيرت الجبال، وكأنما ترى قبابا فوق أفيال، وكأن قبورا في الين تحفر، وألوبة عليه تنشر، وكأن العد3 يمخض عن زبد، وكأن الدوى من جرجرة الأذى زئير الأسد وهزيم الرعد.
Sayfa 473