عليه وسلم على ما مر في شرح قوله: "وسنة الخلفاء الراشدين".
ويصح حمل الحدود هنا على الوقوف عند الأوامر والنواهي، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآيةَ، وآياتٍ أخر، ويكون ما قبله وما بعده من باب ذكر العام بعد الخاص وعكسه، وحينئذٍ فمعنى "لا تعتدوها": لا تتجاوزوا ما حدَّ لكم بمخالفة المأمور، وارتكاب المحظور.
(وحرم أشياء فلا تنتهكوها) أي: لا تتناولوها ولا تقربوها (١) (وسكت عن أشياء رحمة لكم) أي: لأجلكم (٢) حالَ كون السكوت عنها (غير نسيان) لأحكامها: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (فلا تبحثوا عنها) لخبر: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرم فحُرِّم لأجل مسألته" (٣) دل على أن ثم أشياء الأصل فيها الإباحة وقد يعرض لها التحريم بوسائط.
وقولُ بعضهم: دلَّ على أن ثم أشياء لم تذكر أحكامها ولا أحكام لها. . فيه نظر، فتأمله.
وقد مر الكلام على معنى: "فلا تبحثوا عنها" مستوفًى مبسوطًا في شرح (الحديث التاسع) فانظره (٤).
ثم النهي يحتمل اختصاصه بزمنه ﷺ؛ لأن كثرة البحث والسؤال حينئذٍ عما لم يذكر قد يكون سببًا لنزول التشديد فيه بإيجابٍ أو تحريمٍ، ويحتمل بقاؤه على عمومه؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات قد يوهم اعتقاد إيجابه أو تحريمه، وصح: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (٥)، والمتنطع: البحَّاث عمَّا لا يعنيه، أو: الذي يدقق نظره في الفروق البعيدة، فيفرق بها بين متماثلين بمجرد فرقٍ لا يظهر أثره في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية
(١) وحكي عن بعض السلف أنه قال: (رأيت المعاصي تزري تركتها مروءة فصارت ديانة) اهـ "الفتوحات الوهبية" (ص ٢٤٦)
(٢) قوله: (لأجلكم) هو على حذف مضاف تقديره: لأجل رحمتكم.
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢٨٠) في شرح الحديث التاسع.
(٤) انظر ما تقدم (ص ٢٧٨).
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داوود (٤٦٠٨) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
1 / 494
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]