193

Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

Türler

﴿تنبيه﴾: ... كم هو موجع حقًا حال طائفة منا - معشرَ الدعاة وطلابَ العلم - إذ كانوا في ريعان شبابهم على حظ كبير من الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، والبذل والحرص على أداء القربات وأنواع التضحيات، ثم لما وهن العظم، واشتعل الرأس شيبًا، ودنا الرحيل؛ إذا هم ينكبُّون على حطام الدنيا الزائل، ويتثاقلون عن تلك القربات، ويغالبهم العجز والكسل! "واعجبًا! كلما صعد العمر نزلتَ، وكلما جدَّ الموت هزلتَ! أتُراك ممن ختم بفتنة، وقُضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟ كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب".
واحسرتاه! تقضَّى العمر وانصرمت ... ساعاته بين ذلّ العجز والكسلِ
والقوم قد أخذوا درْب النجاة وقد ... ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِ
(٣) الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة
إن من أعظم الأسباب التي تعين على الزهد في الدنيا الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة، فإن الموت هو الخَطب الأفظع والأمر الأشنع .. إنه هادم اللذات، وقاطع الراحات، وجالب الكريهات .. إنه فراق الأحباب، وانقطاع الأسباب، ومواجهة الحساب.
ذكر الموت حياة ونسيانه غفلة .. ومن استحيا من الله حقَّ الحياء لم يغفل عن الموت ولا عن الاستعداد للموت.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
ولقد كان النبي ﷺ يأمر أصحابه وسلم بالإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة ومن ذلك ما يلي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.

1 / 192