لم يكتف عمرو بهذا، فقد رأى أطربون يتقدم بقواته إلى أجنادين، فوجه علقمة بن حكيم ومسروقا العكي إلى ناحية إيلياء فشغل بهما جندها، ووجه أبا أيوب المالكي إلى ناحية الرملة فلم يبق بد من احتفاظها بحاميتها، وكتب عمرو بذلك كله إلى عمر، وذكر له دهاء أطربون وسعة حيلته، ووصف له من قوة الروم وعدتهم ما جعل الخليفة يأمر بإرسال المدد العظيم إليه، ثم إنه أعاد النظر في الكتاب فابتسم لصفته أطربون بالدهاء والمكر، وقال لمن حوله: «قد رمينا أطربون الروم بأطربون العرب فانظروا عم تنفرج.»
وبلغت الأمداد فلسطين، فبعث عمرو ببعضها قوة لمن شغلوا جند العدو بإيلياء والرملة وسار هو في جلة الجيش يلقى أطربون بأجنادين، فإذا الروم بحصونهم وخنادقهم في منعة أي منعة، كيف السبيل إليهم؟ وهل من يدله على مأتاهم؟ لم يجد لذلك وسيلة إلا الحيلة، فبعث الرسل يتفاوضون في الصلح، وأسر إليهم أن يوافوه بمداخل العدو وعوراته، لكن الرسل لم تشفه، فآثر أن يتولى الأمر بنفسه، على ألا يظهر عدوه على أمره، فلئن عرف أطربون أن عمرا هو الذي يحادثه ليأخذنه أسيرا، ثم لن يفلته، هذا إن لم يقتله، وتنكر عمرو وسار إلى أطربون ودخل عليه كأنه رسول بعد أن تأمل حصونه وعرف منها ما أراد، وتحدث الرجلان، فداخلت أطربون الريبة في شخص محدثه، وقال في نفسه: «والله إن هذا لعمرو، أو إنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله!» ثم دعا جنديا من رجال حرسه، فأسر إليه إذا مر العربي بمكان بذاته أن يقتله، وفطن عمرو إلى أن في الأمر كيدا، فقال لأطربون: «قد سمعت مني وسمعت منك، فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكاشفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك.»
سمع أطربون هذا القول فخالج نفسه الشك فيما ظن، فاسترجع الحارس الذي أسر إليه بقتل هذا العربي، وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك، وخرج عمرو مسرعا إلى عسكره لا يلوي على شيء ولا يظن أن يعود لمثلها، وعرف أطربون الأمر فقال: «خدعني الرجل، هذا أدهى الخلق.» وبلغ عمر ما حدث فقال: «غلبه عمرو، لله عمرو!»
لم يبق أمام عمرو إلا أن ينشب القتال بعد أن عرف مآخذه ومآتيه، وبعد أن أعد له عدته، والتقى الجيشان بأجنادين كما التقى جيشا المسلمين والروم من قبل بالواقوصة على اليرموك، وكلاهما يعلم ما لهذا اليوم في حياة الإمبراطورية وفي حياة الإسلام من أثر؛ لذلك بلغت شدة القتال بأجنادين ما بلغت باليرموك، فكثر القتلى من الجانبين، وترجح النصر زمنا بينهما، لكن المسلمين كانوا أكثر صبرا، فقد كانت أنباء أبي عبيدة وخالد بن الوليد وانتصاراتهما بشمال الشام قد بلغتهم وبلغت الروم، وكان أهل فلسطين من اليهود والنصارى يقفون من حكامهم ومن غزاتهم موقف المتفرج، لا تحركهم حماسة للروم ولا غضب على المسلمين، فكان لعمرو وجنوده من أنباء إخوانهم، ومن موقف المدنيين حولهم، ما زادهم حماسة وحملهم على الثبات والنصر، فلما آذنت الشمس بالمغيب رأى أطربون صفوفه تضطرب ورجاله تولاهم الإعياء، فانسحب في الناس متقهقرا إلى ناحية بيت المقدس، ورآه علقمة بن حكيم ومسروق العكي في تقهقره فأمرا رجالهما ففسحوا له طريقا، فدخل المدينة بمن بقي من جنوده معتمدا على مناعة حصونها وقوة مقاومتها، منتظرا يوما يكون الحظ فيه أقل عبوسا فيكون له من الرجاء في النصر ما فاته هذا اليوم.
وأمر عمرو علقمة بن حكيم ومسروقا العكي وأبا أيوب المالكي فعسكروا بقواتهم في أجنادين، وأقام هو معهم ينظر في مهاجمة أطربون ببيت المقدس، ورأوا قبل مهاجمته أن يحيطوا به، وأن يقطعوا خط رجعته من ناحية البحر ففتحوا رفح وغزة وسبسطية ونابلس واللد وعمواس وبيت جبرين ويافا، فتحوا بعضها عنوة، وسلم بعضها ورضي الجزية بغير قتال، بذلك بقيت بيت المقدس والرملة وحدهما حصينتين يحيط بهما المسلمون، أتراهم وقد أمنوا ألا يجيئهم أحد من خلفهم يحاصرون بيت المقدس ويهاجمونها، أم يكتبون بذلك إلى عمر ويقيمون حيث هم إلى أن يجيئهم رأيه؟
وإنهم ليفكرون فيما يصنعون إذ تناول عمرو رسالة من أطربون يقول فيها: «أنت صديقي ونظيري، وأنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع ولا تغتر فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة!» وتعجب عمرو حين قرأ الكتاب، ورد عليه بأنه «صاحب فتح هذه البلاد.» وطلب إلى أطربون أن يشاور وزراءه لعلهم ينصحونه قبل أن يدهمه، لكن أجنادين كانت قد استنفدت من جند المسلمين ما جعلهم بحاجة إلى المدد؛ لذلك آثر ابن العاص أن يكتب إلى عمر يستمده ويستشيره، فبعث إليه يقول له: «إني أعالج حربا كئودا صدوما وبلادا ادخرت لك فرأيك.»
4
تناول عمر بن الخطاب هذا الكتاب وقرأه، والثابت في روايات المؤرخين جميعا، المسلمين منهم وغير المسلمين، أنه ذهب من بعد إلى بيت المقدس وعقد الصلح مع أهله، لكن ما حدث بين تناوله الكتاب ومجيئه إلى فلسطين وعقده الصلح يقع عليه خلاف كبير.
ومن المتفق عليه أن أهل بيت المقدس تولاهم الروع من أجنادين، وثبت في نفوسهم أن مدينتهم صائرة إلى العرب لا محالة؛ لذلك بادروا بالاتفاق مع الأسقف صفرنيوس فنقلوا الصليب الأعظم وكل ما كان في الكنائس من الآنية، وجعلوا كل ذلك عند الساحل ثم وضعوه في سفينة وبعثوا به إلى دار الملك بالقسطنطينية، ليوضع الصليب من بعد في كنيسة القديسة أيا صوفيا، وقد انسحب أطربون بقواته من بيت المقدس إلى مصر قبل أن تبدأ مفاوضات الصلح بين عمر ورسل المدينة المقدسة، لكن الخلاف يقع على ما سوى ذلك وعلى ما يتصل به من الحوادث، فهل تقدم عمرو بن العاص فحاصر إيليا قبل أن يبرحها أطربون وقبل أن يحضر عمر بن الخطاب لمصالحة أهلها ، أم هم طلبوا الصلح قبل أن يحاصروا؟ وهل جاء خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح من الشام فتوليا حصار المدينة ولم يكن عمرو حاصرها، أم تولياه معه؟ وهل جاء عمر بن الخطاب من شبه الجزيرة في أمداد اشتركت في الحصار ثم كانت مفاوضات الصلح، أم جاء في عدد قليل من الرجال بعد أن طلب أهل إيليا الصلح على أن يعقدوه مع أمير المؤمنين؟ وهل طال زمن الحصار أم قصر؟ هذه كلها أمور ترد في أمرها روايات يصعب التوفيق بينها وحسبنا أن نوجزها هنا لنفصل بعدها ما أتمه عمر في بيت المقدس حين مفاوضات الصلح وبعدها.
يجمل بي قبل إيجاز هذه الروايات وتمحيص ما يستطاع تمحيصه منها أن أشير إلى أن موقع إيلياء بالمنطقة الجبلية في جنوب فلسطين جعلها منذ القدم قلعة حصينة ذات شأن كبير من الناحية الحربية، وأن قدماء المصريين كانوا يعتمدون عليها في رد أعدائهم الذين يحاولون الانحدار إلى مصر من ناحيتها، وقد ثارت المدينة بحكم المصريين وتخلصت منهم ثم ردت إليه غير مرة، ففي عهد داود وسليمان استقلت عن مصر فبنى سليمان هيكله بها، واحترق الهيكل واخترقت إيلياء كلها حين غزا الفرس فلسطين في القرن السادس قبل الميلاد، وأعيد بناء الهيكل من بعد، ثم اتخذه اليهود معبدهم والمكان المقدس لشعائرهم، فقووا عمارته وحصنوه وجعلوا منه قلعة ثبتت لغزو الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، وهدم هيرودس الهيكل حين تولى أمر فلسطين من قبل الرومان، ثم أعاد بناءه وزاد فيه ورفع عمده، وجعله أكثر مما كان فخامة ومنعة، فلما استقرت المسيحية بفلسطين وتطاول عليها العهد أهمل الهيكل حتى كاد يصبح أطلالا، مع ذلك ظلت المدينة المقدسة معتمدة على مناعة موقعها وقوة حصونها، فلم تفتح أبوابها للفرس حين غزوها في أوائل القرن السابع الميلادي، بل قاومت حصارهم ثمانية عشر يوما اضطرت بعدها للتسليم، فلما استردها هرقل أذاق اليهود العذاب قتلا ونفيا وتنكيلا، لاتهامه إياهم بأنهم مالئوا الفرس حين الغزو ودلوهم على عورات البلاد.
Bilinmeyen sayfa