وكذلك كان التقدم بطيئا جدا في سني الحضارة المترجحة بين السبعة آلاف سنة والثمانية آلاف سنة التي عقبت تلك.
ومنذ قرن واحد تقريبا ظهر البخار والكهربا وجميع الاكتشافات التي حولت حياة الأمم تحويلا تاما.
وجميع الاختراعات العظيمة مدينة لنمو الذكاء فقط، ولم يعقب نشوء الذكاء نشوء مماثل في المشاعر، ومن هذه الناحية لم يجاوز الرجل العصري مستوى الأجداد الفطريين كثيرا، وكل ما حقق من تقدم في هذا المضمار هو اكتساب قدرة على مقاومة الاندفاعات الابتدائية قليلا بتمثل نتائجها البعيدة تمثلا زاجرا، بيد أن المشاعر حافظت على قوتها، ويجهزها الذكاء العاجز عن السيطرة عليها دائما بوسائل تخريب قادرة على إهلاك العالم.
وهكذا يحرك الإنسان الحاضر بنوعين من الاندفاعات، يرجع أحدهما إلى ما قبل التاريخ ويرجع الآخر إلى أصل قريب. •••
وللحضارات العظمى كيان موقت نسبيا، فالحضارات تذبل ثم تزول بعد ازدهار يدوم قليلا أو كثيرا، وترى نينوى وبابل ومدنا أخرى مدفونة تحت الغبار.
ومن الطبيعي أن اختلفت سرعة تطور الحضارات باختلاف شروط الحياة، وفي بعض الأحيان يعقب أدوار الانقلابات العميقة وجوه للتطور البطيء ذات ثبات في المظهر.
وفي الغالب تمثل أزمنة السكون النسبي هذه أدوار تاريخ الأمم العالية، شأن اليونان في عهد بركليس، والإمبراطورية الرومانية في عهد أغسطس، وإسبانية في عهد فليب الثاني، وفرنسة في عهد لويس الرابع عشر.
ومع ذلك فإن أدوار السكون الموقت خاتمة للحوادث السابقة، وكان لا بد من سلسلة منازعات اجتماعية لتظهر دكتاتورية أغسطس، وكان لا بد من سلسلة منازعات دينية وسياسية لتمام ملكية لويس الرابع عشر المطلقة.
وتجاوز أوربة الحديثة دور انقلاب شوهد مثله غير مرة في مجرى تاريخها، أي شوهدت انقلابات في المعتقدات السياسية والدينية وانقلابات في الأفكار، وقد أوجب ضعف المثل العليا القديمة الموجهة والبحث عن مثل عالية جديدة اضطرابا عميقا في النفوس، ويهز الجزع والهلع النفوس، ويظهر الوعيد في كل مكان، ولا يبصر أمل السكون النسبي أيضا. •••
ومن العوامل الأساسية في انحطاط الحضارات ذلك العامل الذي يلاحظ في جميع الأزمان، وهو ذبول مبدأ السلطة وما يوجبه من نفوذ شيئا فشيئا.
Bilinmeyen sayfa