الإيمان قول وعمل
قال ابن جرير: الإسلام كلمة، والإيمان كلمة وعمل، كما يقول جمهور علماء الكلام: الإسلام فعل أو نطق بالشهادتين، والإيمان: اعتقاد الجنان، ولفظ اللسان، وعمل الأبدان.
أي: أنه اعتقاد وقول وفعل، فالاعتقاد وحده لا يكفي؛ لأن النبي ﷺ جلس إلى عمه وقال: (يا عم! قل كلمة أحاج لك بها عند الله) فلم يقل، وهو قد أعلن من قبل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سبة لو جدتني سمحًا بذاك مبينا فهو يعتقد يقينًا بأن دين الإسلام الذي جاء به ابن أخيه محمد هو الحق، لكنه لم ينطق بكلمة الشهادتين، لذا كان يقول له: (يا عم! قل كلمة أحاج لك بها عند الله)، فالاعتقاد وحده لا يكفي، ويجب أن يكون مع الاعتقاد النطق، ومع النطق والاعتقاد العمل، ولذا سمى الله العمل بالفروع إيمانًا، ولما تحولت القبلة قالوا: ماذا يكون حال الذين ماتوا قبل أن يصلوا إلى الكعبة؟ لأنه ﷺ مكث قرابة ستة عشر شهرًا يصلي إلى بيت المقدس، وفي هذه الأثناء مات بعض المسلمين، قالوا: ماذا يكون مصيرهم وهم لم يصلوا إلى الكعبة؟ فنزل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، فسمى الصلاة إيمانًا؛ لأنها تصديق بالقول، أي: صدق القول بالفعل.
وسيأتي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، بأن الإيمان بالقول يجب تصديقه بالفعل، ويهمنا في هذا المقام أن قول الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أسلمنا في الظاهر أم في الظاهر والباطن؟ الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه في أضواء البيان يرجح بأن إسلامهم كان إسلامًا لغويًا وليس شرعيًا؛ لأن الإسلام لغة الاستسلام، كما قال حكيم الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرًا ثقالًا دعاها فلما أطاعت أرسى عليها الجبالًا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبًا زلالًا إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالًا وأسلمت نفسي لمن أسلمت له الريح تصرف حالًا فحالًا هذا جاهلي يقول هذا قبل بعثة النبي ﷺ، يقول: أسلمت وجهي؛ يعني: استسلمت لله الذي هذا صنعه من خلق الأرض بالجبال، ومن خلق المزن بالماء الزلال، ومن تصريف الرياح حالًا فحالًا.
هذا إسلام لغوي.
أما الإسلام الشرعي فهو: من التزم بحقوق الإسلام والإيمان، وطاعة الله ورسوله، فالشيخ يرى بأن قولهم: (آمنا) ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ لغوي، أما حقيقة الإسلام الشرعية فليست موجودة عندهم، فيقول: هؤلاء من صنف المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وابن جرير يقول هذا أيضًا، ويستدل ﵀ بقوله فيما بعد: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فإذا لم يدخل الإيمان وهو التصديق والالتزام بالعمل في قلوبهم، فهذا يكون إسلامًا لغويًا وليس إسلامًا شرعيًا، وسيأتي مناقشة هذا الرأي عند قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
والذي يهمنا: بأن القرآن فرق بين الإسلام والإيمان، لما أفرد الإيمان جمع معه الإسلام، ولما نفى عنهم الإيمان وأثبت إليهم الإسلام حينها عرفنا أن هناك فرقًا بينهما.
هناك: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] .
إذًا: في هذه الآية يتفق معنى الإسلام والإيمان؛ لأنه بيت واحد هو الذي أخرج منها، فإذا انفرد لفظ الإيمان شمل الآخر معه، كما إذا انفرد لفظ الفقير أو انفرد لفظ المسكين شمل الآخر معه، أما إذا ذكرا معًا فيكون هناك التفرقة، إذا قال: أعط الفقير درهمًا وأعط المسكين نصف درهم؛ كان هناك فرق بين الفقير والمسكين، وقد فرق العلماء بينهما، فقالوا: الفقير من فقار الظهر، كأن فقرات ظهره مكسورة؛ لأنه لا يستطيع التحرك ماديًا، أما المسكين فهو الساكن عن الحركة، لكن مع المعافاة، وقد سمى الله سبحانه أصحاب السفينة التي يعمل عليها مساكين: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فكذلك اليوم صاحب المرسيدس الأجرة، وصاحب التكسي عنده بعض الشيء لكنه مسكين، فقال الفقهاء: الفقير من لا يملك شيئًا، والمسكين من يملك أقل من حاجته، فإذا قيل: أعط الفقير كان له وصف مستقل، وأعط المسكين كان له وصف مستقل، وهكذا الإسلام والإيمان.
وقد جاء في حديث جبريل ﵇ في حديث عمر المشهور: (أخبرني عن الإسلام؟)، فأخبره بأعمال محسوسة وهي أركان الإسلام الخمسة ثم قال: (أخبرني عن الإيمان)، فذكر له ما لم يذكره في الإسلام، فعرفنا أن الإسلام من حيث هو يتميز عن الإيمان من حيث هو إيمان، وكذلك الإيمان يتميز بأركانه عن الإسلام، وكلٌ له فريقه، والجميع يسمى: الدين، وجاء الركن الثالث الذي يسيطر على الجميع عند الإحسان: أن تعبد الله، والعبادة بدنية وقولية ومالية.
أي: أثرٌ فعلي، وهو مع الإيمان والتصديق (كأنك تراه) .
أي: مع الاعتقاد، (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
إذًا: (قَالَتْ الأَعْرَابُ) أولًا: هذا لفظ عام أريد به خاص، ويمثل له الأصوليون بقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]، قالوا: إن لفظ (الناس) عام في بني البشر مرادًا به شخصية واحدة ألا وهي رسول الله ﷺ، قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، يعني: أنكم تحسدون محمدًا على ما أنزل عليه؟! لا، وكذلك: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، القائل: (إن الناس قد جمعوا لكم) ما هو إلا من ليسوا عموم الناس الذين قالوا، وعلى هذا فهذه الآية تصدق على هذا المثال أنه عام أريد به الخصوص، (قَالَتْ الأَعْرَابُ) والمراد به بعض الأعراب وهم أعراب من بني أسد.
(آمَنَّا) أي: التزمنا وصدقنا واتبعنا، ولكنهم لم يكونوا على هذا المستوى.
﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أسلمنا على ما بينا سابقًا، إسلامًا لغويًا، وأشرنا بأن الشيخ ﵀ في الأضواء يرجح بأن: (قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي: استسلمنا إسلامًا لغويًا.
9 / 9