دروس فقهية
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
الموقع/ رياض المتقين
www.almotaqeen.net

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد
فهذه دروس فقهية مرتبة على كتب الفقه، جمعتها ورتبتها مع ذكر أدلتها
لعلها أن تكون عونًا - بعد الله - على تعلم الفقه وفهمه
واخترت المتن من كتب المتون العلمية في مذهب الحنابلة
(زاد المستقنع - عمدة الفقه - عمدة الطالب - دليل الطالب - أخصر المختصرات).
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ورزقًا طيبًا.
أخوكم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء

1 / 2

كتاب الطهارة
يبدأ العلماء مؤلفاتهم الفقهية بكتاب الطهارة:
أولًا: لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا …).
ثانيًا: أن الطهارة تخلية وتنظيف والتخلية قبل التحلية.
ثالثًا: لأجل أن يتذكر المتعلم بتطهير بدنه تطهير نيته وقلبه لله ﷿.
• تعريف الطهارة:
الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: كالشرك والحسد والبغض وأمراض القلوب وكل خلق ذميم.
واصطلاحًا: ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث.
الحدث: هو الوصف القائم بالبدن من المانع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل.
وما في معناه: أي وارتفاع ما في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء، فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة.
وزوال الخبث: أي النجاسة، فإذا وقعت على ثوبه نجاسة فطهرها، هذه تسمى طهارة.
فالطهارة: ارتفاع الحدث، وزوال الخبث.
فائدة: الحدث أمر معنوي؛ لذا يعبَّر معه بالرفع، أما الخبث فأمر حسي؛ لذا يعبر معه بالإزالة.

1 / 3

باب المياه
يبدأ الفقهاء بأحكام بالمياه، لأن الماء هو الأصل في التطهير.
(خُلقَ الماءُ طَهورًا).
أي: أنه طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فالأصل في الماء الطهارة.
فإذا وجد عندنا ماء ولا نعلم هل هو طاهر أو نجس، فالأصل الطهارة.
قال تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).
وقال تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).
وقال ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) رواه أبو داود.
• تعريف الماء الطهور: هو الماء الطهور هو الماء الذي لم يتغير بنجاسة أو بطاهر ينقله عن اسم الماء المطلق.
(يطهرُ من الأحداثِ والنجاسَاتِ).
لأنه كما تقدم أن الطهارة قسمان: طهارة من حَدَث، وطهارة من خبث.
الأحداث: جمع حدث: وهو الوصف القائم بالبدن من المانع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل، وهو ينقسم إلى حدث أكبر، وإلى حدث أصغر.
الحدث الأكبر: هو ما يوجب الغسل، كالحيض، والجنابة، والنفاس.
الحدث الأصغر: هو ما يوجب الوضوء، كالبول، والغائط، وسائر نواقض الوضوء.
والنجاسات: جمع نجاسة، وهي كل عين مستقذرة شرعًا، فإذا وقعت على ثوب إنسان نجاسة فطهرها، هذه تسمى طهارة.
فالماء يطهر من الحدث، ويطهر من النجاسات.

1 / 4

• الفرق بين طهارة الحدث وإزالة النجاسة:
أولًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح بخلاف إزالة النجاسة. (رجل جاء على ثوبه بول، ثم جاءت الأمطار ونظفته، وهو لم ينوي فانه يطهر).
ثانيًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان، لأنه من باب الأوامر، بخلاف طهارة الخبث لأنه من باب التروك.
فلو أن رجلًا أكل لحم جزور - وهو لا يعلم - ثم صلى، وبعد الصلاة علم، فإنه يجب أن يعيد الصلاة.
ثالثًا: طهارة الحدث طهارة تعبدية غير معقولة المعنى، بخلاف طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعًا: طهارة الحدث لابد من الماء بخلاف طهارة الخبث على القول الراجح كما سيأتي إن شاء الله.
• فتجوز طهارة الحدث والنجس بالماء المطلق على أيّ صفة كان من أصل الخلقة.
قال ابن قدامة: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ: التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ.
هُوَ نَارٌ.
وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى:
أ-لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ.
ب- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ج-وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ).
د-وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ.
وَقَوْلُهُمْ (هُوَ نَارٌ) إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً. … (المغني).

1 / 5

قال النووي: وأما ماء البحر فجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يكره كمذهبنا: وحكى الترمذي في جامعه وابن المنذر في الإشراف وغيرهما عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنهما كرها الوضوء به، وحكاه أصحابنا أيضًا عن سعيد بن المسيب.
واحتج لهم بحديث روى عن ابن عمرو عن النبي ﷺ (تحت البحر نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة وسبعة). رواه أبو داود في سننه
واحتج أصحابنا بحديث (هو الطهور ماؤه) وبحديث (الماء طهور).
ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره.
وأما حديث (تحت البحر نار) فضعيف باتفاق المحدثين، وممن بين ضعفه أبو عمر بن عبد البر، ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث هو الطهور ماؤه. (المجموع).
• قوله (والنجاسات) المراد بالنجاسة هنا الطارئة، لأن النجاسة تنقسم إلى قسمين:
أ- نجاسة عينية: وهي التي تكون عين الشيء وذاته نجسة، مثل: العذرة، مثل البول، العذرة ذاتها نجسة، عينها نجسة، البول: ذاته نجس، روث الحمار ذاته نجسة، الكلب: عينه نجس، ذاته نجسة.
ب- نجاسة طارئة: هي التي وردت على محل طارئ، مثلًا: عندك ثوب طاهر ثم وقعت عليه نجاسة، فهذه النجاسة تسمى الطارئة، ويسميها العلماء أيضًا حكمية.
فالماء لا يرفع إلا النجاسة الطارئة، أما النجاسة العينية: هذه ما يطهرها الماء، ولو جئت بالكلب وغسلته بماء البحر ما طهر، لكن
النجاسة العينية تطهر في الاستحالة: إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى طهرت.

1 / 6

(فَلَا تحصُلُ الطهَارَةُ بمائعٍ غيْرِهِ).
أي: فلا تحصل الطهارة من الأحداث والنجاسات إلا بالماء.
أما الحدث (سواء كان حدثًا أكبر أو أصغر) لا يرتفع إلا بالماء، وهذا قول جماهير العلماء.
أ- لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ).
قال ابن قدامة: وهذا نص في الانتقال إلى التراب عند عدم الماء.
ب- ولقوله ﷺ (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين).
وأما النجاسة: فقد اختلف العلماء، هل يشترط الماء لإزالة النجاسة أم لا على قولين (كأن يصيب ثوبه بول أو دم مسفوح هل يشترط الماء أم لا)؟
القول الأول: أنه لابد من الماء.
وهذا مذهب مالك، والشافعي، والحنابلة، واختاره ابن المنذر.
أ- لقوله تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).
وجه الدلالة: ذكره سبحانه امتنانًا، فلو حصل بغيره لم يحصل الامتنان.
ب-لحديث أنس. قال (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حينما أراد التطهير من بول الأعرابي أمر بالماء، وهذا دال على الوجوب وعلى اختصاص الماء بالتطهير.
ج- ولحديث أَسْمَاء قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّى فِيهِ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض بالماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء في إزالة نجاسة الثوب من دم الحيض لكونه هو المنصوص عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه.
د- قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.

1 / 7

القول الثاني: أنه لا يشترط الماء.
وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية.
قال ابن تيمية ﵀:. . . فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة، هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة .. وهو الصحيح في الدليل.
أ-لحديث ابن عمر (أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ لم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) رواه البخاري دون ذكر (البول).
ب- ولحديث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي، قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى -وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أرشد إلى تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء.
ب- وقالوا: إن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها.
وهذا القول هو الراجح.
• وأما الجواب عن أدلة الجمهور:
أما الآية (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) فالجواب أن يقال: إن امتنان الله ﷾ بطهورية الماء، وكونه مطهرًا للأشياء، لا يعني قصر هذا الحكم عليه. (أحكام النجاسات).

1 / 8

وأما الجواب عن الحديثين:
فيقال: إن المقصود بذلك تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره، فليس في الحديث حصر التطهير بالماء. [ابن تيمية].
وأيضًا يقال: إن هذا فيه دلالة أن الماء يزيل النجاسة فهذا لا إشكال فيه لكن لا يدل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء.
• وقد سئل الشيخ محمد صالح العثيمين ﵀: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تغسل به الأكوات مطهر لها؟
فأجاب: إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصدًا، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التَّخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة، وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهرًا لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون، فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يعتبر ذلك مطهرًا لها، حتى إنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لو زالت بالشمس والريح فإنه يطهر المحل، لأنها كما قلت: هي عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجسًا بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها - إلا أنه يعفى عن اللون المعجوز عنه - فإنه يكون مطهرًا لها. ("مجموع فتاوى ابن عثيمين).
(وهو ثلاثة أنواع).
أي: أن الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس.
وهذا هو المذهب، وهو قول مالك، والشافعي.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْبَحْرِ: (هُوَ اَلطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ) رواه أبو داود.
وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الصَّحابة يعلمونَ أنَّ ماءَ البَحرِ طاهِرٌ وليس نَجِسًا- بلا شكٍّ- فسؤالُهم إنَّما كان عن تطهيرِ ماءِ البَحرِ لا عن طهارَتِه، وهذا يدلُّ على أنَّ هناك ماءً طاهرًا ليس بطَهور.

1 / 9

ب- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي اَلْمَاءِ اَلدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلم.
ج- وَعَنْه. قال: قال ﷺ (إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي اَلْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وجهُ الدَّلالة: أنَّه قد ورد النَّهيُ عن الاغتسالِ في هذه المياهِ، مع عدم نجاسَتِها، فدلَّ ذلك على وجودِ نَوعٍ مِنَ الماءِ ليس بنَجِسٍ، ولا يمكِنُ التطهُّرُ به، وهو الطَّاهِرُ.
د- وقالوا: إن هذا التقسيم معروف بالاستقراء، فإنه لا يخلو الماء: إما أن يجوز الوضوء به أو لا؟ فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا؟ فإن جاز فهو الطاهر وإلا فهو النجس.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور، ونجس.
وهذا قول أبي حنيفة، واختار هذا القول ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، والسعدي، وابن عثيمين.
أ-لقولُه تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)، ولقوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ).
وجهُ الدَّلالةِ مِنَ الآيتينِ: أنَّ اسمَ الماءِ مُطلقٌ في الكتابِ والسُّنةِ، ولم يرِدْ فيهما تقسيمُه إلى: طَهورٍ وطاهرٍ، فهذا التَّقسيمُ مخالفٌ للكتابِ والسُّنةِ، ولا أصلَ له في الشَّريعةِ؛ إذ لو كان القِسمُ الطَّاهِرُ ثابتًا بالشَّرع، لكان أمرًا معلومًا مفهومًا، تأتي به الأحاديثُ البيِّنةُ الواضِحةُ؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إلى بيانِه، وليس بالأمرِ الهيِّنِ؛ إذ يترتَّبُ عليه: إمَّا أن يتطهَّرَ بماءٍ أو يتيمَّم
ب- ولحديث أبي سعيد. قال: قال ﷺ (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) رواه أبو داود.
فهذا الحديث يحكم للماء بالطهورية، وأن الماء طهور، وهذا العموم خص منه بالإجماع: إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه نجس بالإجماع.

1 / 10