Duroos of Sheikh Khalid Al-Mosleh
دروس للشيخ خالد المصلح
Türler
من مقاصد طلب العلم الشرعي
إن طلب العلم الشرعي له مقاصد عديدة، من أهمها وأولها: أنه به يعرف الله ﷾، فبالعلم الشرعي يعرف الإنسان ربه ﷾، يعرف ما لله جل وعلا من الأسماء، وما له من الصفات، وما له من الأفعال، هذا في ما يتعلق بذاته جل وعلا.
ويعرف أيضًا ما يجب له من الحقوق، فإن العلم الشرعي هو السبيل الذي يتعرف به الخلق على ربهم ﷾، فإن الله ﷾ بعث المرسلين به معرفين وإليه داعين، فكل الرسل جاءت تعرف الخلق بربهم، وتدلهم عليه، وتبين لهم شيئًا من أوصافه؛ ليعرفوه ﷾ ويعبدوه، وذلك لأنه لا سعادة للناس في حياتهم، ولا لذة لهم في معاشهم، إلا بمعرفة الله جل وعلا، فإن معرفة الله ﷾ أصل السعادة ورأسها، وهذه السعادة ليست مقتصرة على سعادة الدنيا فحسب، بل هي التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة، فلذة العلم بالله جل وعلا ومعرفته ﷾ فوق كل شيء، فالعلم بذاته يستلزم العلم بما سواه؛ لأن من عرف الله تفتحت له أبواب العلم، وأبصر السبيل، واستضاء له الطريق، فلا يحتاج بعد ذلك إلى أكثر من العلم بالله جل وعلا؛ لأن به يفتتح كل مغلق، ويحصل له كل مطلوب.
أما من لم يعرف ربه جل وعلا فإنه عن كل خير غافل، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]، فتأمل هذه الآية تجد فيها أن الله ﷿ تهدد من نساه بأنه ﷾ ينسيه نفسه، ومن نسي نفسه كيف يعرف مصالحها؟! كيف يعرف فلاحها؟! كيف يستقيم معاشه فضلًا عن معاده؟! إن من غفل عن الله ﷿، ونسي ربه ﷾؛ يصدق عليه ما أخبر به جل وعلا: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، فإن من غفل عن الله ﷿، وعن ذكره؛ انفرط عليه أمره، ولم ينتظم له شيء من الأشياء، بل تفوته مصالح دينه ومصالح دنياه، وليس في هذا مبالغة في بيان أهمية العلم بالله ﷿، بل هذا هو الواقع، وليس ما نراه عند الكفار من إتقان عمارة الدنيا، ومن تشييد المباني، وإتقان المصنوعات، والسبق الحضاري؛ ليس ذلك بشيء أمام ما فاتهم من خير الآخرة، وإنما هو كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦]، فهو أكل وشرب وتمتع قليل، لكنه لا ينزع عنهم وصف الإجرام.
أيها الإخوة الكرام! إننا نطلب العلم الشرعي لنعرف به نبينا ﷺ الذي بعثه الله ﷾ حجة على الإنس والجن، بعثه الله ﷾ بين يدي الساعة بالحق بشيرًا ونذيرًا، يدعو إلى الله ﷿، يبلغ الرسالات، ويبصر من العمى، ويهدي من الضلال، فمن أقبل على العلم الشرعي عرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا عرف النبي ﷺ وعرف ما جاء به تيقن صدق ما جاء به ﷺ، فإن أهل العلم يعرفون صدق ما أخبر به ﷺ؛ لأنهم بما معهم من العلم يدركون صحة خبره ﷺ فيما عقلوه من معاني هذا الكتاب العظيم، وفيما أدركوه من آيات الله ﷿ في الأنفس والآفاق، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء:١٠٧]، ولا يمكن أن يكون منهم هذا إلا إذا كانوا قد صدقوا بما جاء في الكتاب، فإنهم يخرون تعظيمًا لله ﷿، وتعظيمًا لكلام الله سبحانه وبحمده، وتعظيمًا لما جاء به النبي ﷺ من الحق والهدى والنور.
4 / 14