Devletlerin Yönetimi Üzerine Bilgiler

درر السلوك في سياسة الملوك

Soruşturmacı

فؤاد عبد المنعم أحمد

Yayıncı

دار الوطن

Yayın Yeri

الرياض

Bölgeler
Irak
•
İmparatorluklar & Dönemler
Selçuklular
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْحق معزا لمن اعتقده وتوخاه ومعينا لمن اعْتَمدهُ وابتغاه وَجعل الْبَاطِل مذلا لمن آثره وارتضاه ومذلا لمن أظهره واقتفاه واختص ملك الْمُلُوك بهاء الدولة وضياء الْملَّة وغياث الْأمة باعتقاد الْحق وَاجْتنَاب الْبَاطِل حَتَّى تمكن من نواصي من راده وَمَانعه وَجعل لَهُ من وَلَده سندا يظاهره وعضدا يؤازره
فَالْحَمْد لله حمدا يوازي جميل نعمه ويضاهي جزيل قسمه وَصلى الله على بشير كل تَقِيّ مهتد ونذير كل مُعْتَد مُحَمَّد وَآله وصحابته هداة الصَّالِحين الأخيار وعداة الطالحين الأشرار وَسلم كثيرا
أما بعد فَإِن الله سُبْحَانَهُ ببليغ حكمته وَعدل قَضَائِهِ جعل النَّاس أصنافا مُخْتَلفين وأطوارا متباينين ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين وبالتباين متفقين واختص مِنْهُم رَاعيا أوجب عَلَيْهِ حراسة رَعيته وَأوجب على الرّعية صدق طَاعَته وَجعله الْوَسِيط بَينه وَبَين عباده وَلم يَجْعَل بَينه وَبينهمْ أحدا سواهُ فَكَانَ ملك الْمُلُوك بهاء الدولة مِمَّن خصّه الله باسترعاء خلقه واستودعه حفاظ حَقه

1 / 54

وَجَعَلنَا أهل طَاعَته نتمسك بعصم الْمُوَالَاة ونمت بإخلاص المصافاة وأخلص الرّعية من كَانَ لحق الرّعية مذكرا وبحق سُلْطَانه معترفا وَقد دَعَاني صدق الطَّاعَة إِلَى إنْشَاء كتاب وجيز ضمنته من جمل السياسة مَا إِن كَانَ الْملك قد حَاز علم أضعافه بِحسن بديهته وأصيل رَأْيه فَإِنِّي لن أعدم أَن أكون قد أدّيت من لَوَازِم الطَّاعَة أم يحسن موقعه إِن شَاءَ الله ﷿
وقسمته بَابَيْنِ
الْبَاب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك
وترجمته بدرر السلوك فِي سياسة الْمُلُوك إِذا كَانَ مَا تضمنه دَاعيا إِلَيْهِ وحاثا عَلَيْهِ وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى حسن المعونة والتوفيق وَإِلَيْهِ أَرغب فِي إمدادي بِالرشد والتسديد وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل

1 / 55

الْبَاب الأول فِي أَخْلَاق الْملك
الْأَخْلَاق بَين الْمَدْح والذم
اعْلَم أَن الْإِنْسَان مطبوع على أَخْلَاق قل مَا حمد جَمِيعهَا أَو ذمّ سائرها وَإِنَّمَا الْغَالِب أَن بَعْضهَا مَحْمُود وَبَعضهَا مَذْمُوم قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا هَذِه الْأَخْلَاق إِلَّا طبائع ... فمنهن مَحْمُود وَمِنْهَا مذمم)
إصْلَاح الْأَخْلَاق المذمومة بالتأديب
وَلَيْسَ يُمكن صَلَاح مذممومها بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الطبيعة والتفويض إِلَى النحيزة إِلَّا أَن يرتاض لَهَا رياضة تَأْدِيب وتدريج فيستقيم لَهُ

1 / 56

الْجَمِيع بَعْضهَا خلق مطبوع وَبَعضهَا تخلق مسموع لِأَن الْخلق طبع وتكلف
قَالَ الشَّاعِر
(يَا أيتها المتحلي غير شيمته ... وَمن سجيته الْإِكْثَار والملق)
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله ... إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
شرِيف الْأَخْلَاق ثَمَرَته شرِيف الْأَفْعَال
وشريف الْأَفْعَال لَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا شرِيف الْأَخْلَاق سَوَاء كَانَ ذَلِك طبعا أَو تطبعا وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك فِي كِتَابه الْكَرِيم بقوله لنَبيه ﷺ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ لِأَن النُّبُوَّة لما كَانَت أشرف منَازِل الْخلق ندب إِلَيْهَا من أكمل فَضَائِل الْأَخْلَاق

1 / 57

سياسة الْإِنْسَان لنَفسِهِ
فَإِذا بَدَأَ الْإِنْسَان بسياسة نَفسه كَانَ على سياسة غَيره أقدر وَإِذا أهمل مُرَاعَاة نَفسه كَانَ بإهمال غَيره أَجْدَر
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين من بَدَأَ بسياسة نَفسه أدْرك سياسة النَّاس
وَقد قيل فِي منثور الحكم لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يطْلب طَاعَة غَيره وَطَاعَة نَفسه ممتنعة عَلَيْهِ
قَالَ الشَّاعِر
(أتطمع أَن يطيعك قلب سعدى ... تزْعم أَن قَلْبك قد عصاكا) وَرُبمَا حسن ظن الْإِنْسَان بِنَفسِهِ فأغفل مُرَاعَاة أخلاقه

1 / 58

فَدَعَاهُ حسن الظَّن بهَا إِلَى الرِّضَا عَنْهَا دَاعيا إِلَى الانقياد لَهَا ففسد مِنْهُ مَا كَانَ صَالحا وَلم يصلح مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدا لِأَن الْهوى أغلب من الآراء وَالنَّفس أجور من الْأَعْدَاء لِأَنَّهَا بالسوء أَمارَة وَإِلَى الشَّهَوَات مائلة وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ الشَّديد من ملك نَفسه
قَالَ بعض الْحُكَمَاء من رَضِي عَن نَفسه أَسخط عَلَيْهِ النَّاس ولحسن الظَّن بهَا أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه الْكبر والإعجاب وَهُوَ بِكُل أحد قَبِيح وبالملوك أقبح لِأَنَّهُ دَال على صغر الهمة مخبر بعلو الْمنزلَة وَكفى بِالْمَرْءِ ذما أَن تكون همته دون مَنْزِلَته وَقد قَالَ بعض أَشْرَاف السّلف لَا يَنْبَغِي أَن يرى شَيْئا من الدُّنْيَا لنَفسِهِ خطرا فَيكون بِهِ تائها والملوك أَعلَى النَّاس همما وأبسطهم أملا فَلذَلِك كَانَ الْكبر

1 / 59

والإعجاب بهم أقبح وَكَانَ عبد الله بن الْعَبَّاس رضوَان الله عَلَيْهِ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الصّديق رضوَان الله عَلَيْهِ يَقُول
(إِذا أردْت شرِيف النَّاس كلهم ... فَانْظُر إِلَى ملك فِي زِيّ مِسْكين)
(ذَاك الَّذِي حسنت فِي النَّاس رأفته ... وَذَاكَ يصلح للدنيا وَالدّين)
السكينَة وَالْوَقار أَحْمد من الْكبر والإعجاب
لَكِن السكينَة وَالْوَقار أَحْمد وَأولى بِهِ من الْكبر والإعجاب وَمن النَّاس من لَا يفرق بَين الْكبر وَالْوَقار وَهَذَا جهل بمعناهما
الْفرق بَين الْكبر والإعجاب
فإمَّا الْكبر والإعجاب فقد يَجْتَمِعَانِ فِي الذَّم ويفترقان فِي الْمَعْنى فالإعجاب يكون فِي النَّفس وَمَا تظنه من فضائلها وَالْكبر يكون بالمنزلة وَمَا تظنه من علوها
أَسبَاب الْكبر
وللكبر أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه علو الْيَد ونفوذ الْأَمر

1 / 60

وَقلة مُخَالطَة الْأَكفاء وللإعجاب أَسبَاب فَمن أقوى أَسبَابه كَثْرَة مديح المقربين وإطراء المتملقين الَّذين استبضعوا الْكَذِب والنفاق واستصحبوا الْمَكْر وَالْخداع فَإِذا وجدوا لنفاقهم سوقا ولكذبهم تَصْدِيقًا جَعَلُوهُ فِي ذمم النوكي فاعتاضوا بِهِ رتبا وعوضوا مِنْهُ نشبا وحسبوه زينا فَصَارَ شينا وَحكم الممدوح بكذب قَوْلهم على صدق علمه وَجعل لَهُم طَرِيقا إِلَى الِاسْتِهْزَاء بِهِ وَمن أجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب
وَقيل لأنوشروان لم تتهاونون بالمدح إِذا مدحتم قَالَ لأننا رَأينَا ممدوحا هُوَ بالذم أَحَق

1 / 61

بَين التملق وَصدق النَّصِيحَة
وَهَذَا أَمر يَنْبَغِي لكل وَاحِد أَن يراعيه من نَفسه وَيفرق بَين متملقه احتيالا وَبَين مخلص لَهُ النَّصِيحَة من أهل الصدْق وَالْوَفَاء الَّذين هم مرايا محاسنه وعيونه فَإِنَّهُ إِن أغفل ذَلِك داهن نَفسه ونافق عقله واستفسد أهل الْوَفَاء والصدق ومار مأكله النِّفَاق والملق فأعقبه ذَلِك ضَرَرا وأورثه تهجينا وذما وَالْملك أولى من حذر ذَلِك وتوقاه لِأَن حَضْرَة الْمُلُوك كالسوق الَّتِي يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق فِيهَا وكل دَاخل عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْهِ بقوله وَفعله فَإِذا علمُوا مِنْهُ إِيثَار الْمُوَافقَة على الْهوى وَحب الْمَدْح والإطراء جعلُوا ذَلِك أربح بضائعهم لَدَيْهِ وَمن أجل مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْهِ فيتصور ذمه حمدا وَقد كسب بِهِ ذما وَيتَصَوَّر قبحه حسنا وَقد كسب بِهِ قبحا فَهَذَا مِمَّا يجب أَن يتوقاه الْملك ويحذره
دَلَائِل الْوَقار
وَإِذا كَانَ الْوَقار مَحْمُودًا وَكَانَ الْإِنْسَان بِهِ مَأْمُورا فَوَاجِب أَن نصف مِنْهُ فصولا دَالَّة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا
فَمن ذَلِك قلَّة التسرع إِلَى الشَّهَوَات والتثبت عِنْد الشُّبُهَات

1 / 62

وَاجْتنَاب سرعَة الحركات وخفة الإشارات ثمَّ إطراق الطّرف وَلُزُوم الصمت فَإِنَّهُ أبلغ فِي الْوَقار وَأسلم من هَذَا الْكَلَام مَعَ أَن الْملك ملحوظ الأنفاس مَنْقُول اللَّفْظ
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحصْر خير من الهذر لِأَن الْحصْر يضعف الْحجَّة والهذر يتْلف المهجة
وَقَالَ بعض البلغاء الزم الصمت فَإِنَّهُ يكسبك صفو الْمحبَّة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الْوَقار وَيَكْفِيك مُؤنَة الِاعْتِذَار وَتكلم أَرْبَعَة من حكماء الْمُلُوك بأَرْبعَة كَلِمَات كَأَنَّهَا رميت عَن قَوس
فَقَالَ ملك الرّوم أفضل علم الْعلمَاء السُّكُوت
وَقَالَ ملك الْفرس إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا
وَقَالَ ملك الْهِنْد أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين نَدِمت على الْكَلَام وَلم أندم على السُّكُوت

1 / 63